لماذا تحتاج فلسطين إلى وزارة لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات على وجه الخصوص، وعلى سلم الأولويات الوطنية؟
لماذا تحتاج فلسطين إلى وزارة لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات على وجه الخصوص، وعلى سلم الأولويات الوطنية؟
حسن أبو العيلة
26/10/2026
تحت هذا العنوان ، وفي إطار نشر المعرفة والوعي بمفهوم المخاطر بمختلف أنواعها ، وكيفية إدارتها والإحاطة بجوانبها المنظورة وغير المنظورة ، وتحويل التحديات " قدر الإمكان " إلى فرص ، سأحاول في هذه السلسلة تناول عدد من الموضوعات المرتبطة بإدارة المخاطر ضمن نهج شامل ومتكامل.
وسيتم التركيز على فهم المخاطر وحوكمتها ، والاستثمار في الحد منها ، والاستعداد والتأهب لها ، ورفع مستوى الجاهزية بهدف الوقاية منها أو الحد من احتمالات وقوعها ، والاستجابة لها بكفاءة ، والتقليل من خسائرها وآثارها في حال حدوثها.
ويمثل هذا المنهج العلمي في إدارة المخاطر حاجة أساسية للدول والمجتمعات والمؤسسات على اختلاف مواردها وثقافاتها وبناها ، وتزداد أهميته في الحالة الفلسطينية التي تعيش مجموعة متشابكة من المخاطر والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية ، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالاحتلال وإجراءاته.
ومن هنا تبدأ هذه السلسلة ، في محاولة للإجابة عن السؤال الأساسي...
لماذا تحتاج فلسطين إلى وزارة لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات ، ولماذا ينبغي أن يكون ذلك ضمن الأولويات الوطنية؟
أولاً ... الأرض والموارد
تُعد الأرض في الحالة الفلسطينية جوهراً أساسياً للصراع مع المشروع الصهيوني الاحلالي ، ولذلك فإن إدارتها وحمايتها وتنظيم استخداماتها ينبغي أن تحتل موقعاً متقدماً في سلم الأولويات الوطنية.
ولا يقتصر الأمر على سطح الأرض فقط ، وإنما يمتد إلى الموارد الطبيعية الموجودة فوقها وتحتها ، والمياه ، والهواء ، والحيز العام والموارد الأخرى المرتبطة بحقوق الشعب الفلسطيني وسيادته وقدرته على التنمية.
ومن منظور إدارة المخاطر ، فإن حماية هذه الموارد تتطلب معرفة المخاطر التي تهددها ، وقياسها ، ووضع السيناريوهات والسياسات التي تساعد على الحد منها والحفاظ عليها للأجيال القادمة.
ثانياً ... الإنسان والهوية الوطنية
الإنسان هو محور عملية التنمية وأساس بناء الدولة والمجتمع ، ولذلك فإن المخاطر التي تمس حياته وأمنه وحقوقه وقدرته على الصمود تشكل أحد أهم مجالات إدارة المخاطر الوطنية.
كما أن الحفاظ على الهوية الوطنية ، والذاكرة المجتمعية ، والانتماء ، والتماسك الاجتماعي ، يمثل جزءاً من منظومة الحماية الوطنية التي لا يمكن فصلها عن مفهوم إدارة المخاطر بصورة شاملة.
فإدارة المخاطر لا تتعامل فقط مع الأضرار المادية ، وإنما تشمل أيضاً ما قد يهدد الإنسان والمجتمع ونسيجهما واستقرارهما وقدرتهما على الاستمرار.
ثالثاً ... الخسائر المنظورة وغير المنظورة
عند الحديث عن المخاطر والأزمات ، لا ينبغي أن نحصر الخسائر في الأضرار المباشرة والظاهرة فقط.
فهناك خسائر منظورة يمكن قياسها بصورة مباشرة ، وخسائر أخرى غير مباشرة أو أقل ظهوراً قد تكون آثارها أوسع وأطول زمناً .
ولعل قضية أموال المقاصة مثال يمكن من خلاله توضيح الفكرة ، إذ إن القيمة المالية المحتجزة أو المقتطعة تمثل جانباً مباشراً من الخسارة ، بينما تمتد الآثار الاقتصادية إلى جوانب أخرى مرتبطة بتراجع النشاط الاقتصادي ، وتعطل حركة الأفراد والبضائع ، وانخفاض الإنتاج ، وتأثر الدخل ، وارتفاع تكاليف الأعمال ، وضياع فرص الاستثمار والنمو.
كما أن الحواجز والقيود على الحركة وما يرتبط بها من هدر للوقت وارتفاع تكاليف النقل والعمل والإنتاج يمكن النظر إليها ضمن الخسائر الاقتصادية التي لا تظهر دائماً بصورة مباشرة في الحساب الأولي للأزمة.
وتبرز أهمية هذا الجانب عند النظر إلى الدراسات الاقتصادية الدولية المتعلقة بتكلفة القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني.
فوفقاً لدراسة صادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ، فلكم أن تتخيلوا حجم الخسائر في الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية فقط ، حيث قُدّرت الخسارة التراكمية في الناتج الاقتصادي المحتمل للضفة الغربية بنحو 170.8 مليار دولار بالأسعار الثابتة خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2024 ، وذلك وفق سيناريو تقديري يفترض غياب مجموعة من القيود والصدمات التي تناولتها الدراسة.
ويوضح هذا الرقم حجم الأثر الاقتصادي طويل المدى للمخاطر والقيود المتراكمة ، كما يبين أهمية ألّا ننظر إلى الخسائر فقط من زاوية ما فقدناه مباشرة ، وإنما أيضاً من زاوية ما كان يمكن إنتاجه أو تحقيقه ولم يتحقق.
ومن هنا ، فعندما نتحدث عن خسائرنا ، من المهم أن نتناولها بشقيها المباشر وغير المباشر ، والمنظور وغير المنظور ، وأن تكون لدينا القدرة المؤسسية والعلمية على توثيقها وقياسها وتحليلها ، بما يخدم التخطيط الوطني وعرض هذه الآثار أمام المؤسسات والجهات الدولية المختصة.
إن إدارة هذه المخاطر المتشابكة لا يمكن أن تعتمد على ردود الفعل بعد وقوع الأزمة فقط ، وإنما تحتاج إلى جهة وطنية مسؤولة ومتخصصة تمتلك القدرة على :-
إعداد الدراسات وتحليل المخاطر.
بناء قواعد البيانات والمؤشرات الوطنية.
تحديد الأولويات ومصادر التهديد.
وضع السيناريوهات والخطط الوقائية.
رفع مستوى الاستعداد والتأهب والجاهزية.
تنسيق أدوار المؤسسات والجهات المختلفة.
تقييم الخسائر المباشرة وغير المباشرة.
استخلاص الدروس من الأزمات السابقة.
تطوير السياسات الوطنية للحد من المخاطر وتعزيز القدرة على الصمود.
فإدارة المخاطر تبدأ قبل وقوع الأزمة ، ولا ينبغي أن تقتصر على الاستجابة لها بعد حدوثها.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي ستتناولها هذه السلسلة ،،،
كيف تنتقل فلسطين من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل تحولها إلى أزمات وكوارث ؟
هذه المقالة تمثل مقدمة تعريفية لسلسلة مقالات في مجال إدارة مخاطر الكوارث والأزمات ، سيتم من خلالها ربط الحالة الفلسطينية بالمفاهيم والمناهج العالمية لإدارة المخاطر ضمن إطار شامل ، مع تناول عناصر الوقاية والاستعداد والتأهب والاستجابة والتعافي ، والحوكمة والاستثمار في الحد من المخاطر.
فالغاية ليست فقط أن نكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمة عندما تقع ، وإنما أن نمتلك المعرفة والمؤسسات والسياسات التي تساعدنا على توقع المخاطر ، وفهمها ، والاستعداد لها ، والحد من آثارها قبل أن تتحول إلى خسائر أكبر ، وهنا لن نغفل دور الاحتلال بما يمثله كمصدر خطر على الأرض والانسان وسياساته التي تستهدف البشر و الحجر والاستيطان الاحلالي التوسعي .



