الفعل بوصفه اختبارًا للمعرفة

المعرفة التي لا تُختبر في الفعل تبقى ناقصة البنية

سبتمبر 12, 2026 - 09:20
الفعل بوصفه اختبارًا للمعرفة

الفعل بوصفه اختبارًا للمعرفة
المعرفة التي لا تُختبر في الفعل تبقى ناقصة البنية
محمد قاروط أبو رحمه
من أكثر التصورات شيوعًا عن المعرفة الاعتقاد بأنها تكتمل بمجرد اكتسابها. فبمجرد أن يقرأ الإنسان كتابًا، أو يحضر دورة تدريبية، أو يتقن نظرية معينة، يظن أحيانًا أنه أصبح يمتلك معرفة مكتملة حول الموضوع.
لكن الواقع يكشف شيئًا مختلفًا. فالمعرفة لا تكتمل حين تُكتسب، بل حين تُختبر.
وما لم تدخل المعرفة إلى ميدان الفعل، فإن جزءًا مهمًا من بنيتها يبقى ناقصًا، مهما بدت متماسكة من الناحية النظرية.
ولهذا لا يمثل الفعل مجرد تطبيق للمعرفة، بل يمثل اختبارًا لها، ووسيلة لاكتشاف حدودها، وأداة لإعادة تشكيلها.
بين المعرفة والواقع
حين تُبنى المعرفة نظريًا، فإنها غالبًا ما تتشكل داخل بيئة أكثر انتظامًا من الواقع.
في الكتب تكون المفاهيم واضحة. وفي النماذج تكون العلاقات محددة. وفي الشرح تكون المتغيرات تحت السيطرة. أما الواقع فشيء آخر.
فالواقع مليء بالتعقيد والتداخل والمفاجآت والعوامل غير المحسوبة.
ولهذا كثيرًا ما يكتشف الإنسان عند أول احتكاك حقيقي بالميدان أن ما تعلمه صحيح، لكنه غير كافٍ. ليست المشكلة أن المعرفة كانت خاطئة، بل أنها لم تكن قد واجهت الواقع بعد.
الفعل يكشف ما لا يظهر في النظرية
هناك أشياء لا يمكن تعلمها بالكامل من الكتب. ليس لأن الكتب عديمة القيمة، بل لأن بعض أنواع المعرفة لا تكتمل إلا بالممارسة.
فالقيادة تُشرح، لكن لا تُفهم بالكامل إلا عند قيادة الناس.
والتدريس يُدرَّس، لكن لا يُدرك تمامًا إلا داخل الصف.
والإدارة تُقرأ، لكن حقيقتها تظهر حين تتعارض المصالح وتضيق الموارد وتتعقد القرارات.
وفي كل مرة يدخل الإنسان إلى الميدان يكتشف أن الواقع يطرح أسئلة لم تكن موجودة في النصوص. وهنا تبدأ المعرفة في التحول.
لماذا يخاف بعض الناس من الفعل؟
لأن الفعل لا يختبر الواقع فقط، بل يختبر صاحب المعرفة نفسه. ففي عالم الأفكار يمكن للإنسان أن يبدو متماسكًا ومقنعًا. أما في الميدان فإن الأفكار تواجه نتائجها.
ولهذا يتحول الفعل إلى مرآة تكشف الفجوات التي لم تكن ظاهرة من قبل.
وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل بعض الناس يفضلون البقاء في مساحة التحليل أو النقد أو التنظير دون الانتقال إلى الممارسة.
فالنقد لا يختبر الفكرة. أما الفعل فيفعل.
ولهذا يبقى الفعل أكثر صرامة من النقاش، وأكثر عدلًا من الانطباعات، لأنه يضع المعرفة أمام اختبار الواقع.
المعرفة والفعل في الدورة المعرفية
في السلسلة الأولى جرى النظر إلى المعرفة بوصفها جزءًا من دورة مستمرة وليست نقطة وصول نهائية.
ومع تطور النقاشات أصبح من الممكن رؤية هذه الدورة بصورة أوضح:
الانتباه → المعرفة → الفهم → القرار → الفعل → الخبرة → إعادة تشكيل المعرفة.
وفي هذه الدورة يحتل الفعل موقعًا محوريًا. فهو النقطة التي تغادر فيها المعرفة عالم التصورات لتدخل عالم النتائج. وهو اللحظة التي تبدأ فيها الخبرة بالتشكل.
وهو أيضًا المرحلة التي تسمح للواقع بأن يشارك في بناء المعرفة بدل أن يبقى مجرد موضوع لها.
من الفعل إلى الخبرة
لا ينتج الفعل نتائج فقط. إنه ينتج خبرة. والخبرة ليست معرفة إضافية تُضاف إلى ما سبقها، بل معرفة أعاد الواقع تشكيلها. فالإنسان بعد التجربة لا يعود إلى المعرفة نفسها التي بدأ بها. بل يعود إلى معرفة أكثر نضجًا وأكثر ارتباطًا بالواقع وأكثر قدرة على تفسيره والتعامل معه.
ولهذا فإن الخبرة لا تعود إلى المعرفة بوصفها تكرارًا لها، بل بوصفها قوة إعادة تشكيل لها؛ فهي تصححها، وتوسعها كمًّا ونوعًا، وتعيد بناءها على نحو أكثر ارتباطًا بالواقع وأكثر قدرة على تفسيره والتعامل معه. 
ومن هنا تبدأ دورة جديدة من التعلم والفهم والممارسة.
الفعل والتواضع المعرفي
من أهم ما يقدمه الفعل للإنسان أنه يحرره من وهم الاكتمال.
فكل تجربة حقيقية تكشف أن الواقع أوسع من أي نموذج، وأن المعرفة البشرية مهما بلغت تظل قابلة للمراجعة والتطوير.
ولهذا فإن الممارسة الحقيقية لا تنتج الغرور المعرفي، بل تنتج التواضع المعرفي.
فالذي يختبر أفكاره في الواقع باستمرار يصبح أكثر استعدادًا لتصحيحها.
أما الذي يبقيها بعيدة عن الاختبار فقد يخلط بين تماسك الفكرة وصحتها.
الذكاء الاصطناعي وحدود المعرفة غير المختبرة
في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت المعلومات متاحة أكثر من أي وقت مضى.
وأصبح بالإمكان إنتاج النصوص والتحليلات والملخصات بسرعة غير مسبوقة.
لكن هذا لا يلغي حقيقة أساسية:
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في إنتاج المعرفة، لكنه لا يستطيع أن يعيش نتائجها.
فالتجربة والخبرة وتحمل تبعات القرار ما تزال مرتبطة بالإنسان.
ولهذا كلما ازدادت سهولة الوصول إلى المعرفة ازدادت أهمية اختبارها في الواقع.
فالقيمة الحقيقية لم تعد في امتلاك المعلومات، بل في القدرة على تحويلها إلى فعل ثم التعلم من نتائج ذلك الفعل.
المعرفة في خدمة الإنسان
إذا كانت المعرفة في هذه السلسلة لا تُقاس بصحتها فقط، بل بقدرتها على خدمة الإنسان، فإن الفعل هو اللحظة التي يُختبر فيها هذا الادعاء.
ففي الفعل تتجسد الغايات. وفي الفعل تظهر النتائج. وفي الفعل يتبين ما إذا كانت المعرفة قد أسهمت في تحسين الواقع أم بقيت حبيسة التصورات.
ولهذا فإن المعرفة التي لا تغادر دائرة الكلام إلى دائرة الفعل تبقى عاجزة عن تحقيق وظيفتها الإنسانية الكاملة.
الخلاصة
لا يختبر الفعل صحة المعرفة فقط، بل يكشف حدودها ويعيد تشكيلها. فالمعرفة لا تنضج بعيدًا عن الواقع، بل تنضج داخله. وكل معرفة لم تواجه نتائجها بعد ما تزال معرفة ناقصة البنية، مهما بلغت درجة تماسكها النظري.
ولهذا يمكن صياغة قانون هذا المقال على النحو الآتي:
المعرفة التي لا تُختبر في الفعل تبقى ناقصة البنية؛ لأن الواقع لا يكتفي بتأكيد المعرفة أو نفيها، بل يشارك في إعادة تشكيلها وتطويرها.