هل تجاوزت الفصائل حدود التفويض الشعبي؟

د. إبراهيم نعيرات

سبتمبر 12, 2026 - 09:40
هل تجاوزت الفصائل حدود التفويض الشعبي؟

د. إبراهيم نعيرات

إذا كان الشعب هو المصدر الأعلى للشرعية والتفويض في أي عمل سياسي يُمارس باسمه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يمثل الشعب، وإنما أيضًا بحدود ما يحق لمن يمثلونه أن يفعلوه باسمه. فالتنظيم السياسي، مهما بلغت مكانته أو امتد تاريخه أو اتسعت قاعدته، يبقى جزءًا من الشعب وليس بديلًا عنه، وتمثيله للقضية لا يعني امتلاكها، كما أن حصوله على التفويض لا يعني انتقال الإرادة الشعبية إليه بصورة نهائية.

هذه الحدود ليست كلها مكتوبة في قانون أو اتفاق، لكنها موجودة في الوعي الوطني، تشكلت عبر التجربة الفلسطينية الطويلة، وعبر ما راكمه المجتمع من إدراك لما يمكن أن يفعله التنظيم باسمه، وما لا يمكن أن يتحول إلى حق دائم له. وليس المقصود أن للشعب موقفًا واحدًا من كل قضية، أو أن الوعي الشعبي كتلة متطابقة، وإنما أن هناك حدودًا أعمق تتصل بحق المجتمع في تقرير مستقبله، وبمصالحه، وبوحدة قضيته، وبحقه في مراجعة من يتحدث باسمه.

ومن هنا تأتي أهمية التنقيب عن هذه الحدود. فالمطلوب ليس اختراع قواعد جديدة تفرض على الحياة السياسية من خارجها، بل الكشف عما استقر في التجربة والوعي الوطني وتحويله إلى قواعد واضحة تحكم العلاقة بين التنظيم والمجتمع. لكل فصيل أن يمتلك رؤيته وأيديولوجيته وبرنامجه، وأن يدافع عنها ويسعى إلى إقناع الناس بها، لكن ليس له أن يحول رؤيته الخاصة إلى إرادة ملزمة لشعب كامل.

المشكلة الفلسطينية لم تكن يومًا في وجود الاختلاف. فالاختلاف جزء طبيعي من السياسة، بل إن غيابه يعني غياب السياسة نفسها. المشكلة تبدأ عندما ينتقل الاختلاف من التنافس بين رؤى متعددة إلى صراع على احتكار تعريف المصلحة الوطنية وامتلاك حق تحديد الاتجاه العام للقضية.

ومع تعمق الخلاف بين القوى السياسية، ولا سيما بين فتح وحماس، لم يعد التباين متعلقًا فقط بالبرامج والوسائل، بل امتد إلى المرجعية ومفهوم الدولة والمقاومة والتسوية وأفق الصراع. وهكذا أخذ الخلاف في بعض مراحله شكلًا يتجاوز التعدد السياسي إلى منطق «أنا أو هو»، وكأن وجود أحد الطرفين لا يكتمل إلا على حساب الآخر.

وهنا يصبح الخطر أكبر من الانقسام نفسه. فعندما تفقد القوى السياسية الإطار الذي ينظم اختلافها، لا يبقى الخلاف مجرد اختلاف، بل يتحول إلى قطيعة، ثم تتحول القطيعة إلى واقع سياسي دائم. ومع الوقت، يصبح المجتمع مضطرًا إلى تحمل نتائج خيارات لم يعد يملك الأدوات الكافية لمراجعتها، بينما يستمر كل طرف في التعامل مع موقعه وكأنه يستمد شرعيته من قدرته على الاستمرار، لا من قابلية تفويضه للمراجعة.

وهنا يبدأ تجاوز حدود التفويض.

فالانتخابات تمنح تفويضًا، لكنها لا تمنح ملكية لإرادة المجتمع. والتاريخ النضالي يمنح صاحبه مكانة واحترامًا، لكنه لا يمنحه حقًا أبديًا في إنتاج القرار. والقوة تمنح قدرة على الفعل، لكنها لا تمنح وحدها شرعية الفعل. التفويض مسؤولية، وليس شيكًا مفتوحًا؛ وشرعيته لا تكمن فقط في لحظة الحصول عليه، وإنما أيضًا في احترام حدوده وإبقاء صاحبه الأصلي قادرًا على مراجعته.

والتجاوز لا يحدث بالضرورة في لحظة واحدة. قد يبدأ عندما يعتقد التنظيم أن ما فاز به في مرحلة معينة يظل صالحًا إلى ما لا نهاية، أو عندما تتحول رؤيته الخاصة إلى معيار وحيد للمصلحة الوطنية، أو عندما تصبح قدرته على فرض الأمر الواقع مصدرًا بديلًا عن التفويض الشعبي. ومع تراكم هذه التحولات، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى أمر واقع، ثم يصبح الأمر الواقع وكأنه حق مكتسب.

عندها لا تعود القضية مجرد خلاف بين تنظيمات، وإنما علاقة مختلة بين الوكيل وصاحب التفويض.

ومن هنا ينبغي أن تُقاس خيارات التنظيمات ليس فقط بما تريده وكيف تريد الوصول إليه، وإنما أيضًا بما تحمله من كلفة على المجتمع، وبمدى توافقها مع مصالحه وقدرته على الحياة والصمود ومستقبله ووحدته. وعندما تتصادم أيديولوجية التنظيم مع مصالح الشعب، فإن مصالح الشعب هي التي يجب أن تنتصر؛ فالأيديولوجيا وسيلة لفهم الواقع والعمل من أجله، وليست سلطة أعلى من المجتمع.

وهذا لا يعني أن تتخلى التنظيمات عن اختلافاتها أو أن تصبح متطابقة. ليس المطلوب أن يصبح «أنا» و«هو» واحدًا، وإنما أن يبقيا ممكنين داخل «نحن». لكل فصيل أن يقترح الطريق، من دون أن يعتبر اقتراحه الطريق الوحيد، وأن يطلب التفويض، من دون أن يعتبره دائمًا، وأن يمثل جزءًا من الشعب، من دون أن يساوي بين تمثيله وامتلاك الشعب كله.

لذلك فإن الإطار الوطني الذي تحتاجه فلسطين ليس بالضرورة اتفاقًا جديدًا بين التنظيمات، بقدر ما هو إعادة اكتشاف للحدود التي يحملها الوعي الشعبي وتحويلها إلى قواعد سياسية واضحة وملزمة للجميع. إطار لا يلغي التعدد، لكنه يمنع احتكار الوطن؛ ولا يمنع الاختلاف، لكنه يمنع تحوله إلى قطيعة؛ ولا يجعل التنظيمات واحدة، وإنما يجعل اختلافها ممكنًا داخل إطار وطني واحد.

لقد أثبت الانقسام أن المشكلة ليست في أن تختلف القوى السياسية، وإنما في أن تفقد القواعد التي تجعل اختلافها قابلًا للإدارة. وعندما تعجز التنظيمات عن إدارة خلافاتها داخل الإطار الوطني، لا ينبغي أن يتحول عجزها إلى تفويض مفتوح للاستمرار، ولا أن يدفع المجتمع ثمن خلاف لم يعد قادرًا على التحكم بمساره.

كلما اتسع الاختلاف، ضاقت مساحة التفويض؛ وكلما بلغ الاختلاف حد القطيعة، اتسعت مساحة الشعب. فالشعب لا يحضر فقط لحظة الانتخابات ثم يغيب، ولا يمنح تفويضًا ثم يفقد حقه في مراجعته. إنه المرجعية التي تمنح التفويض وتجددّه وتراجعه.

وحين تصل التنظيمات إلى النقطة التي تعجز فيها عن إدارة اختلافها، لا يعود السؤال أيّ تنظيم ينتصر، وإنما من يملك حق تحديد المسار. وهنا تعود السياسة إلى أصلها: الشعب.

فالتنظيم جزء من الوطن، والوطن ليس جزءًا من التنظيم. والتفويض الذي يمنحه الشعب لا يتحول إلى ملكية عليه. ولهذا فإن السؤال عن حدود التفويض ليس سؤالًا عن شرعية وجود التنظيمات، بل عن حدود سلطتها على المجتمع، وعن اللحظة التي يصبح فيها تمثيل الشعب ادعاءً لامتلاكه.

هناك حدود لتمثيل التنظيم، وحدود للتفويض، وحدود لما يمكن أن يُفرض على المجتمع باسمه. وحين تتجاوز التنظيمات هذه الحدود، لا تكون قد تجاوزت خصمًا سياسيًا، بل تكون قد تجاوزت صاحب التفويض نفسه.