7 أكتوبر بين الاعتذار والمراجعة الوطنية.. فلسطين أمام استحقاق إعادة بناء النظام السياسي

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

سبتمبر 12, 2026 - 09:19
7 أكتوبر بين الاعتذار والمراجعة الوطنية.. فلسطين أمام استحقاق إعادة بناء النظام السياسي

7 أكتوبر بين الاعتذار والمراجعة الوطنية.. فلسطين أمام استحقاق إعادة بناء النظام السياسي
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
أعاد تصريح اللواء ماجد فرج مدير المخابرات العامة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الذي طالب حركة حماس بالاعتذار للشعب الفلسطيني عن تداعيات السابع من أكتوبر، وهذا التصريح فتح نقاش فلسطيني يتجاوز حدود الخلاف بين فتح وحماس وقوى قصائليه، ليصل إلى سؤال أكثر عمقًا: هل المطلوب محاكمة محطة واحدة من التاريخ الفلسطيني، أم إجراء مراجعة وطنية شاملة لمسار طويل من الحروب والانقسام والاحتلال والاستيطان والخيارات السياسية؟
الموضوعية تقتضي وضع السابع من أكتوبر في سياقه التاريخي والسياسي والعسكري، دون تبرير أو إدانة مسبقة. فقد شهد قطاع غزة حروبًا وجولات عسكرية كبرى في أعوام 2008-2009، و2012، و2014، و2021، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023، وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع ونزوح وأزمة إنسانية غير مسبوقة.
ولا يعني استحضار هذه الوقائع إعفاء أي طرف فلسطيني من النقد أو المراجعة، بل يعني أن التقييم الاستراتيجي لا يمكن أن يبدأ من محطة واحدة. وإذا كانت هناك ضرورة لمراجعة وطنية، فينبغي أن تشمل مجمل القرارات والسياسات والمسارات التي أوصلت القضية الفلسطينية إلى وضعها الراهن، دون انتقائية أو توظيف سياسي.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه الخطاب الفلسطيني بسؤال الاعتذار، تتعرض الضفة الغربية لتطورات لا تقل خطورة؛ من التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، إلى اعتداءات المستوطنين، والحواجز والبوابات والإغلاقات، وهدم المنازل والمنشآت، وما تشهده القدس والاقصى من تهويد ممنهج وما شهدته مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس من عمليات هدم وتهجير للسكان وتدمير للبنية التحتية.
كما تتواصل الضغوط على الفلسطينيين في مناطق مختلفة من الضفة، وفي مقدمتها مسافر يطا جنوب الخليل، حيث تتداخل أوامر الإخلاء ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على السكان وما يتعرض له الخان الاحمر ومخيمات القدس وقلنديا وسلواد .
وهنا ينبغي ألا تتحول معاناة غزة إلى قضية منفصلة عن الضفة الغربية، ولا أن تتحول الضفة إلى ملف منفصل عن غزة. فالجغرافيا الفلسطينية واحدة، والقضية واحدة، وأي ترتيبات مستقبلية ينبغي أن تحافظ على وحدة الأرض والشعب والقرار الوطني.
وتكتسب تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين بشأن إلغاء أو تجاوز اتفاق أوسلو أهمية سياسية، خصوصًا عندما تترافق مع إجراءات ميدانية تعيد تشكيل الواقع في الضفة الغربية. وأوسلو، في الأصل، كان إطارًا انتقاليًا ولم يكن اتفاقًا لتسوية نهائية أو تنازلًا عن الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ لكن استمرار المرحلة الانتقالية لعقود، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني، خلق واقعًا سياسيًا وميدانيًا شديد التعقيد.
أما الحواجز والبوابات وإغلاق الطرق، فلا ينبغي النظر إليها فقط كإجراءات أمنية منفصلة، بل يجب تقييم آثارها المتراكمة على حركة السكان والاقتصاد والتعليم والصحة والحياة اليومية، وعلى إمكانية التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية.
ومن هنا، فإن الأولوية الفلسطينية لا ينبغي أن تكون تبادل الاتهامات حول الماضي، بل إعادة ترتيب البيت الفلسطيني.
المساءلة الوطنية حق مشروع، لكنها يجب أن تكون شاملة وموضوعية وغير انتقائية. والاعتذار، إن كان جزءًا من مراجعة سياسية، لا ينبغي أن يتحول إلى شرط لإقصاء طرف فلسطيني من الحياة السياسية، كما أن الانتماء إلى مشروع مواجهة الاحتلال وتحدياته لا ينبغي أن يعني رفض النقد أو المراجعة.
قانونيًا وسياسيًا، من الضروري كذلك التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية؛ فالأولى مجالها التقييم والمراجعة والمحاسبة السياسية، أما الثانية فلها معاييرها وإجراءاتها وأدلتها المستقلة، ولا يجوز الخلط بينهما في الخطاب العام.
إن فلسطين بحاجة اليوم إلى حوار وطني شامل يعالج كل الملفات دون استثناء: السابع من أكتوبر، والحرب على غزة، والانقسام، وأوسلو، وأداء السلطة، ومسار منظمة التحرير، والمقاومة، والانتخابات، ومستقبل غزة، والاستيطان، وحماية الأرض الفلسطينية.
كما أن إعادة بناء النظام السياسي تتطلب إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وتطوير مؤسساتها على أساس الشراكة، وضمان تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات، والاحتكام إلى الانتخابات الحرة والنزيهة واحترام نتائجها.
ولا يمكن بناء نظام سياسي مستقر على قاعدة إقصاء فصيل دون الآخر ، كما لا يمكن بناء شراكة وطنية مستقرة على قاعدة إقصاء فتح أو أي مكوّن سياسي آخر. الشراكة لا تعني الاتفاق على كل شيء، وإنما تعني إدارة الاختلاف داخل إطار وطني واحد.
والتحدي الأخطر أن تتحول الحرب إلى فرصة لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني من الخارج، أو فصل غزة عن الضفة، أو فرض ترتيبات سياسية لا تستند إلى الإرادة الفلسطينية.
فالمطلوب أن يكون مستقبل غزة فلسطينيًا، وأن تبقى الضفة جزءًا من المشروع الوطني، وأن تبقى القدس في صلب القضية، وأن تكون منظمة التحرير الإطار الوطني الجامع عنوانًا للقرار الفلسطيني.
لقد أثبتت التجربة أن الانقسام لم يحمِ المشروع الوطني، وأن التفرد لم ينتج شرعية دائمة، وأن الإقصاء لم ينهِ الخلاف.
ولهذا فإن المطلوب الانتقال من منطق تصفية الحسابات إلى منطق بناء المؤسسات، ومن تبادل الاتهامات إلى المراجعة الوطنية، ومن احتكار القرار إلى الشراكة، ومن إدارة الانقسام إلى إنهائه.
إن السابع من أكتوبر يحتاج إلى قراءة وطنية مسؤولة، كما تحتاج كل المراحل السابقة واللاحقة إلى القراءة والمراجعة. وغزة تحتاج إلى الإعمار والحماية، والضفة تحتاج إلى حماية الأرض والسكان، ومخيمات طولكرم وجنين ونور شمس تحتاج إلى معالجة إنسانية ووطنية تضمن عودة سكانها وحماية حقوقهم، ومسافر يطا تحتاج إلى حماية سكانها وأراضيها، والقضية الفلسطينية تحتاج إلى استراتيجية سياسية وقانونية ودبلوماسية موحدة.
فالمطلوب ليس أن ينتصر فصيل فلسطيني على فصيل آخر، وإنما أن تنتصر فلسطين على الانقسام، وأن يستعيد الشعب الفلسطيني وحدته وقراره الوطني، وأن تتحول المأساة الراهنة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء نظام سياسي أكثر تمثيلًا وشرعية وقدرة على مواجهة التحديات.
هذه هي المعادلة التي تحتاجها المرحلة: وحدة الأرض، وحدة الشعب، وحدة القرار الوطني، تعدد الآراء، وشراكة الجميع في صناعة المستقبل الفلسطيني.