*بين الأصفر والرمادي... التدمير الممنهج مستمر*
أبو شريف رباح
*بين الأصفر والرمادي... التدمير الممنهج مستمر*
أبو شريف رباح
7\9\2026
لم يعد المشهد في الجنوب اللبناني مجرد امتداد لعمليات عسكرية مرتبطة بجولة من جولات العدوان الإسرائيلي بل بات يحمل في تفاصيله مؤشرات على محاولة فرض واقع ميداني وجغرافي جديد يبدأ بالتدمير وينتهي بتغيير طبيعة المنطقة وسكانها وحدود الحركة فيها، فما يجري في عدد من القرى والبلدات الجنوبية لا يمكن قراءته فقط من زاوية القصف أو الاستهداف العسكري، فحين تتحول المنازل إلى ركام والطرقات إلى مناطق مقطوعة والحقول إلى مساحات مهجورة وتُمنع عودة الأهالي إلى أراضيهم فإن المسألة تتجاوز منطق المعركة المؤقتة لتلامس مشروعاً يهدف إلى إفراغ مناطق كاملة من مقومات الحياة، ففي عيتا الشعب وكفركلا والعديسة وميس الجبل ومارون الراس ويارين ومروحين والظهيرة وغيرها من القرى الحدودية، كان المشهد مختلفاً تماماً، عائلات تعيش في بيوتها وأطفال يتوجهون إلى مدارسهم ومزارعون يعتنون بأرضهم وحقول تبغ وزيتون تشكل جزءاً من هوية الجنوب الاقتصادية والاجتماعية، اليوم تبدلت الصورة بصورة قاسية بعدما طال الدمار الأبنية والأحياء والبنى التحتية وتحولت أجزاء من بعض البلدات إلى مساحات يصعب التعرف إليها.
وهنا تبرز أهمية التوقف عند المصطلحات التي بدأت تُستخدم لوصف الواقع الميداني وفي مقدمتها الخط الأصفر وما يُتداول عن الخط الرمادي، فالخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة يمثل خط الانسحاب الذي اعتمدته الأمم المتحدة لتحديد الخط الفاصل بين لبنان وإسرائيل بينما الخطوط التي تُفرض بفعل الاحتلال العسكري والتدمير على الأرض تحمل دلالة مختلفة تماماً، إنها ليست خطوطاً مرسومة على الخرائط فقط بل تتحول إلى واقع يفرضه الجيش الإسرائيلي بالقوة، فالخط الأصفر ليس مجرد إجراء أمني مؤقت إذا ترافق مع منع السكان من الوصول إلى مناطقهم واستمرار عمليات التدمير، والخط الذي يبدأ كمنطقة عسكرية قد يتحول مع مرور الوقت إلى مساحة عازلة جديدة خصوصاً إذا بقيت القرى الواقعة خلفه مدمرة وخالية من سكانها.
أما الحديث عن الخط الرمادي فيفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة لأنه يذكّر بمرحلة الحزام الأمني الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان خلال فترة احتلالها لأجزاء من الجنوب، والخطر هنا لا يكمن في الاسم بحد ذاته بل في إمكانية أن يتحول التدمير والتهجير ومنع العودة إلى أدوات لإنتاج منطقة عازلة جديدة تختلف في شكلها عن الماضي لكنها تؤدي وظيفة مشابهة في السيطرة على الأرض ومنع السكان من ممارسة حياتهم الطبيعية، وهذا ما يجعل التدمير الممنهج أخطر من مجرد هدم أبنية، فالمبنى يمكن إعادة بنائه والطريق يمكن إصلاحه والمدرسة يمكن ترميمها لكن عندما تُدمّر البيئة التي تسمح للناس بالعودة والاستقرار والعمل فإن الهدف يصبح أبعد من تدمير الحجر، إنه استنزاف للقدرة على إعادة الحياة إلى المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم ما يجري باعتباره سياسة تقوم على صناعة الفراغ، تدمير، ثم منع العودة، ثم فرض واقع أمني جديد، ثم تحويل هذا الواقع مع مرور الوقت إلى أمر واقع يصعب تغييره، وهذا الأسلوب ليس جديداً في التجربة الإسرائيلية في المنطقة، فالتجارب السابقة أثبتت أن الاحتلال لا يبدأ دائماً بإعلان ضم الأرض أو السيطرة الدائمة عليها بل أحياناً يبدأ الأمر بمنطقة أمنية ثم منطقة عسكرية ثم قيود على حركة السكان، وبعدها يصبح الاستثناء المؤقت واقعاً دائماً، لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اتساع رقعة الدمار وإنما في اعتياد العالم على الدمار وتحوله إلى أمر طبيعي، فالقرية التي تُهدم اليوم ولا يعود إليها أهلها غداً قد تتحول بعد سنوات إلى منطقة يتعامل معها الجميع باعتبارها منطقة عسكرية أو منطقة عازلة، وعندها يصبح السؤال ليس لماذا هُدمت القرية؟ بل لماذا يريد أهلها العودة إليها؟ وهذه أخطر مراحل تكريس الاحتلال عندما يتحول المعتدي من طرف يفرض واقعاً بالقوة إلى طرف يطلب من الآخرين التعامل مع هذا الواقع باعتباره أمراً طبيعياً.
إن الجنوب اللبناني ليس مجرد شريط جغرافي ملاصق للحدود إنه مساحة سكانية وتاريخية وزراعية متجذرة في الأرض وإن أي محاولة لإفراغ القرى الحدودية من أهلها أو إعادة رسم حدود الحركة فيها تعني عملياً المساس بطبيعة الجنوب وهويته ومستقبله، وبين الأصفر والرمادي تبدو الصورة أكثر وضوحاً فالمسألة ليست لوناً جديداً على الخريطة وإنما محاولة لتثبيت واقع جديد على الأرض، فإذا كان التدمير يسبق التهجير، والمنع يسبق العودة، والخطوط العسكرية تتحول إلى حدود فعلية فإن ما يجري يجب أن يُقرأ باعتباره مساراً متكاملاً لا مجموعة أحداث منفصلة ولهذا فإن مواجهة هذا المسار لا تكون فقط بالبيانات والإدانات بل بالحفاظ على حق الأهالي في أرضهم وتوثيق الدمار ورفض تحويل المناطق المدمرة إلى مناطق محرمة على سكانها وإبقاء الجنوب حاضراً في المعادلة السياسية والقانونية والإنسانية، فالخطوط التي تُرسم بالقوة يمكن أن تتغير والركام يمكن أن يُزال والبيوت يمكن أن تُبنى من جديد، لكن الخطر الحقيقي هو أن ينجح الاحتلال في تغيير علاقة الإنسان بأرضه، وهنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية، ليست فقط معركة على قرية أو تل أو طريق بل معركة على حق الجنوب في أن يبقى أرضاً لأهله لا منطقة عازلة تُرسم حدودها وفق إرادة الاحتلال.



