المعرفة عندما تنفصل عن الفعل
المقال التاسع من سلسلة: متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
المعرفة عندما تنفصل عن الفعل
المقال التاسع من سلسلة: متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
محمد قاروط أبو رحمة
الإطار النظري للسلسلة: قانون تحوّل المعرفة إلى عبء
المعرفة تبقى قوة ما دامت في حالة اتصال بين التخزين والفهم والخبرة والفعل، لكنها تتحول إلى عبء حين تنفصل عن أحد هذه المستويات أو تتجاوز قدرة الإنسان على تحويلها إلى ممارسة داخل الواقع.
في المقال السابق تناولنا المعرفة في عصر المعلومات المتدفقة، ورأينا كيف تحوّل العالم المعاصر إلى بيئة معرفية كثيفة تتجاوز قدرة الإنسان على الاستيعاب والتنظيم، وكيف أصبح التحدي ليس في الوصول إلى المعرفة، بل في تحويل هذا الفائض من المعلومات إلى فهم متماسك.
لكن هناك مستوى أعمق من الإشكال يظهر عندما لا تبقى المشكلة في كثافة المعرفة أو تدفق المعلومات، بل في علاقتها بالفعل الإنساني نفسه.
فالمعرفة في أصلها لم تكن يومًا غاية مستقلة، بل كانت دائمًا مرتبطة بالفعل. فالإنسان لم يعرف ليكتفي بالمعرفة، بل ليستخدمها في الفهم والتفسير، والتوجيه، واتخاذ القرار، والتغيير. ومنذ اللحظة التي تنفصل فيها المعرفة عن الفعل، تبدأ إحدى أكثر صور العبء المعرفي عمقًا وتأثيرًا.
أولًا: المعرفة والفعل علاقة تأسيسية
لا تكتمل وظيفة المعرفة عند حدود الفهم، بل تكتمل حين تتحول إلى قدرة على التوجيه أو الاختيار أو الممارسة.
فالمعرفة التي تبقى حبيسة الذهن تظل ناقصة من حيث وظيفتها الإنسانية، حتى لو كانت صحيحة من الناحية النظرية.
ولهذا لم يكن الانتقال في هذه السلسلة من الوعاء إلى الحامل، ومن الحامل إلى الخبرة، انتقالًا اعتباطيًا، بل كان تتبعًا لمسار المعرفة الطبيعي:
التخزين ← الفهم ← الخبرة ← الفعل
وكل انقطاع في هذه السلسلة يضعف قدرة المعرفة على أداء وظيفتها الأصلية.
ثانيًا: حين يعرف الإنسان أكثر مما يستطيع أن يفعل
تظهر إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الإنسانية عندما يصبح الإنسان قادرًا على إدراك ما ينبغي فعله، لكنه يعجز عن تحويل هذا الإدراك إلى ممارسة.
فالمشكلة هنا ليست في الجهل، بل في المعرفة غير المفعلة.
يعرف الإنسان الطريق لكنه لا يستطيع السير فيه.
ويرى الحل لكنه لا يمتلك شروط تطبيقه.
ويدرك الخلل لكنه لا يملك دائمًا القدرة على تغييره.
وهنا تبدأ فجوة دقيقة بين الوعي والسلوك.
ثالثًا: الفجوة بين الإدراك والحركة
هذه الفجوة لا تنتج دائمًا عن ضعف الإرادة أو نقص الرغبة في الفعل.
ففي كثير من الأحيان يكون سببها اتساع الوعي نفسه.
فكلما ازدادت المعرفة اتسعت معها دائرة الاحتمالات والنتائج والتعقيدات والتبعات المتوقعة.
ولهذا قد يصبح القرار أكثر صعوبة، لا أكثر سهولة.
وقد يتحول الوعي الواسع إلى مساحة مزدحمة بالأسئلة والتقديرات والتوقعات التي تؤخر الحركة أو تجعلها أكثر تعقيدًا.
ومن هنا يمكن فهم مفارقة تبدو غريبة للوهلة الأولى:
الجاهل قد يتحرك بسهولة لأنه لا يرى التعقيد، أما العارف فقد يتردد لأنه يراه بوضوح.
رابعًا: المعرفة غير المفعلة بوصفها ضغطًا داخليًا
المعرفة التي لا تتحول إلى فعل لا تختفي من الوعي، بل تبقى حاضرة داخله.
وكلما تراكم الفهم دون أن يجد منفذًا طبيعيًا في الممارسة، تحول إلى نوع من الضغط الداخلي.
وقد يظهر هذا الضغط في صور متعددة:
1. التردد المستمر.
2. الشعور بعدم الاكتمال.
3. القلق الناتج عن اتساع الإدراك.
4. الإحساس بالفجوة بين ما ينبغي أن يكون وما هو قائم بالفعل.
وهنا لا يصبح العبء ناتجًا عن نقص المعرفة، بل عن تراكمها دون قدرة موازية على ترجمتها إلى حركة.
خامسًا: المعرفة والمسؤولية
كل معرفة توسّع مساحة الرؤية.
وكل توسع في الرؤية يولد درجة جديدة من المسؤولية.
فالإنسان حين يرى ما لا يراه غيره، يصبح أكثر إدراكًا لما ينبغي فعله أو تغييره أو تجنبه.
لكن القدرة على الفعل لا تتسع دائمًا بالقدر نفسه.
ومن هنا ينشأ التوتر بين المسؤولية المدركة والقدرة المتاحة.
وهو توتر يزداد وضوحًا في القضايا العامة والاجتماعية والسياسية، حيث يدرك الإنسان أحيانًا طبيعة المشكلات والحلول الممكنة، لكنه يصطدم بحدود الواقع وإمكاناته وشروطه.
سادسًا: إعادة وصل المعرفة بالفعل
لا يعني تجاوز هذا الإشكال أن يتحول الإنسان إلى منفذ لكل ما يعرفه، فهذا مستحيل بحكم حدود الإنسان وحدود الواقع.
لكن المطلوب هو الحفاظ على الصلة بين المعرفة والفعل.
فالإنسان لا يُحاسب على تحقيق كل ما يعرف، لكنه يستطيع أن يجعل معرفته بوصلة توجه اختياراته وسلوكه وقراراته ضمن حدود الممكن.
وهنا تتحول المعرفة إلى قوة متوازنة.
أما حين تبقى معلقة بين الإدراك والحركة، فإنها تتحول تدريجيًا إلى عبء صامت على الوعي.
خلاصة المقال السابع
يمكن تلخيص هذا المقال في نتيجة مركزية:
المعرفة تفقد جزءًا من معناها عندما تنفصل عن الفعل، لأن وظيفتها الأصلية لا تكتمل بالفهم وحده، بل بالقدرة على التأثير في السلوك والواقع.
ومن هنا يمكن صياغة آخر مظاهر تحوّل المعرفة إلى عبء داخل هذه السلسلة:
تتحول المعرفة إلى عبء عندما تتراكم في الوعي أكثر مما تتحول إلى فعل.
الخاتمة العامة للسلسلة
لقد انطلقت هذه السلسلة من سؤال بسيط ظاهريًا:
متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
ومن خلال مقالاتها المتتابعة تتبعنا مسار المعرفة منذ كونها قوة للتحرر، ثم بوصفها وعيًا مضاعفًا للواقع، ثم من خلال التمييز بين الوعاء المعرفي والحامل المعرفي، ثم انتقالها من العلم إلى الخبرة، ثم اصطدامها بحدود الإنسان، ثم مواجهتها لفيض المعلومات المتدفقة، وصولًا إلى علاقتها بالفعل.
وقد قادتنا هذه الرحلة إلى نتيجة مركزية:
المعرفة ليست عبئًا في ذاتها، لكنها تتحول إلى عبء كلما انقطعت الصلة بين حلقاتها الطبيعية.
فالمعرفة تزدهر حين تبقى حركة متصلة:
التخزين → الفهم → الخبرة → الفعل
وتتحول إلى عبء عندما تتعطل هذه الحركة أو تنفصل إحدى حلقاتها عن الأخرى.
وبهذا يمكن صياغة القانون الختامي للسلسلة:
ليست قيمة المعرفة في مقدار ما نمتلكه منها، بل في مقدار ما يتحول منها إلى فهم وخبرة وفعل داخل حدود الإنسان والواقع.
ويبقى التحدي الدائم أمام الإنسان ليس أن يعرف أكثر فحسب، بل أن يبني علاقة متوازنة بين ما يعرفه، وما يفهمه، وما يعيشه، وما يستطيع أن يفعله.



