انتخابات الكنيست الإسرائيلية.. صراع داخل اليمين يهدد مستقبل نتنياهو
بن غفير يرفض الوحدة.. ونتنياهو يخشى ضياع أصوات اليمين
انتخابات الكنيست الإسرائيلية.. صراع داخل اليمين يهدد مستقبل نتنياهو
بن غفير يرفض الوحدة.. ونتنياهو يخشى ضياع أصوات اليمين
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، تدخل إسرائيل مرحلة سياسية شديدة الحساسية، لا تبدو فيها المعركة الانتخابية مواجهة تقليدية بين اليمين والمعارضة بقدر ما تحولت إلى صراع مفتوح داخل معسكر اليمين نفسه، على القيادة والهوية السياسية وشكل الحكومة المقبلة.
وتتصاعد الأزمة بصورة خاصة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وزعيم حزب «عوتسماه يهوديت» إيتمار بن غفير، ورئيس «الصهيونية الدينية» بتسلئيل سموتريتش. وفيما يدعو نتنياهو إلى توحيد القوى اليمينية لمنع ضياع الأصوات، يصر بن غفير على خوض الانتخابات منفرداً، بينما يدفع سموتريتش باتجاه صيغة من الوحدة تحفظ موقع حزبه وتجنبه خطر عدم تجاوز نسبة الحسم.
وقد دعا نتنياهو بن غفير وسموتريتش إلى اجتماع الأحد لبحث توحيد القوائم، محذراً من أن تشتت أصوات اليمين قد يؤدي إلى خسارة مقاعد حاسمة ويفتح الطريق أمام تشكيل حكومة مناهضة لمعسكره. غير أن بن غفير رفض الدعوة عملياً، وأكد أن قراره خوض الانتخابات بصورة منفصلة نهائي، في مؤشر واضح إلى اتساع الهوة داخل اليمين الإسرائيلي.
معركة الـ61 مقعداً
تكمن أهمية الخلاف في طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي؛ إذ يتنافس 120 مقعداً في الكنيست على أساس التمثيل النسبي، فيما تحتاج أي حكومة إلى تأمين ثقة 61 نائباً على الأقل.
كما أن نسبة الحسم البالغة 3.25% تجعل الانتخابات شديدة الحساسية تجاه تشتت الأصوات. فإذا فشل حزب في تجاوز هذه النسبة، فإن أصواته لا تدخل في توزيع المقاعد، الأمر الذي يمكن أن يغير بصورة ملموسة موازين القوى بين الكتل.
ولهذا يخشى نتنياهو من أن يؤدي تعدد القوائم اليمينية إلى إهدار آلاف الأصوات، ولا سيما إذا بقي حزب سموتريتش قريباً من نسبة الحسم. وتزداد المخاوف مع ظهور قوى يمينية جديدة، من بينها حزب «شعب إسرائيل» بقيادة عوفر وينتر، الذي بدأ يستقطب جزءاً من الناخبين القوميين والدينيين.
لكن حسابات نتنياهو لا تتوقف عند الخوف من ضياع الأصوات؛ فهو يدرك أن أي تراجع في حجم كتلته سيقلص قدرته على تشكيل حكومة ائتلافية، وقد يدفع بعض شركائه إلى البحث عن بدائل سياسية.
بن غفير.. استقلال انتخابي أم صراع على قيادة اليمين؟
رفض بن غفير التحالف مع سموتريتش يعكس أكثر من خلاف انتخابي. فزعيم «عوتسماه يهوديت» يسعى إلى تثبيت موقعه باعتباره أحد الأقطاب الأساسية في اليمين الإسرائيلي، وليس مجرد شريك ثانوي في ائتلاف يقوده نتنياهو.
ومن وجهة نظر بن غفير، فإن الاندماج قد يحد من قدرة حزبه على تقديم نفسه أمام الناخبين بوصفه القوة الأكثر تشدداً في قضايا الأمن والاستيطان والسياسات تجاه الفلسطينيين. كما أن الخلاف يكشف عن صراع أوسع على جمهور اليمين ذاته، حيث يتنافس أكثر من حزب على الناخب القومي والديني واليميني المتشدد.
وفي المقابل، يرى نتنياهو أن استمرار الانقسام قد يكلف اليمين الأغلبية، بينما يتهمه بن غفير بأنه قد يستخدم ضعف الأحزاب اليمينية الصغيرة ذريعة لتشكيل ائتلاف مختلف بعد الانتخابات، بما في ذلك مع شخصيات من الوسط السياسي. وهذا الاتهام يعكس عمق أزمة الثقة داخل الائتلاف الحاكم.
سموتريتش.. بين الوحدة وخطر السقوط
يبدو وضع سموتريتش أكثر تعقيداً. فحزبه «الصهيونية الدينية» يواجه في عدد من الاستطلاعات خطر عدم تجاوز نسبة الحسم، وهو ما يجعل الدعوة إلى الوحدة بالنسبة إليه مسألة بقاء سياسي أكثر منها مجرد خيار انتخابي.
وتظهر استطلاعات حديثة أن دخول عوفر وينتر إلى المنافسة يزيد الضغط على سموتريتش، إذ أظهرت إحدى نتائج الاستطلاعات حصول حزب وينتر على خمسة مقاعد، مقابل بقاء «الصهيونية الدينية» دون نسبة الحسم. وفي سيناريو آخر، حصل وينتر على ستة مقاعد، مع استمرار تراجع حزب سموتريتش إلى ما دون العتبة الانتخابية.
وهنا تظهر مفارقة أساسية: الحزب الذي يرفض بن غفير التحالف معه قد يكون الأكثر حاجة إلى هذا التحالف لضمان بقائه في الكنيست.
آيزنكوت.. المتغير الذي يقلق نتنياهو
في الجهة المقابلة، يبرز غادي آيزنكوت باعتباره أحد أهم المتغيرات في الانتخابات المقبلة. وتشير استطلاعات حديثة إلى تقدم حزبه «يشار» على الليكود في بعض السيناريوهات، بما في ذلك استطلاع أعطى «يشار» 24 مقعداً مقابل 23 لليكود، بينما حصل تحالف «معاً» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد على 14 مقعداً.
وفي استطلاع آخر، حصل حزب آيزنكوت على 25 مقعداً مقابل 21 لليكود، ما يعكس اتجاهاً انتخابياً مهماً، وإن كان من المبكر التعامل معه باعتباره نتيجة محسومة.
وتكمن أهمية آيزنكوت في خلفيته العسكرية وموقعه السياسي الذي يسمح له بمخاطبة شرائح من الناخبين الباحثين عن بديل لنتنياهو دون الانتقال بالضرورة إلى اليسار السياسي.
لكن ذلك لا يعني أن وصول آيزنكوت إلى صدارة الاستطلاعات يساوي تلقائياً قدرته على تشكيل الحكومة. فالمعيار الحاسم في إسرائيل هو القدرة على بناء ائتلاف يصل إلى 61 مقعداً، وهذه المهمة لا تزال بعيدة عن الحسم بالنسبة إلى أي من المعسكرين.
يمين بلا أغلبية ومعارضة بلا ائتلاف مكتمل
تظهر الاستطلاعات الحالية مشكلة مزدوجة: تراجع كتلة نتنياهو، وفي الوقت نفسه عدم امتلاك خصومه أغلبية واضحة.
وهذا يعني أن إسرائيل قد تتجه إلى انتخابات لا ينتج عنها فائز حاسم، وإنما خريطة برلمانية مجزأة تجعل المفاوضات الائتلافية أكثر صعوبة.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تصبح الأحزاب الصغيرة والقوى الوسطية صاحبة التأثير الأكبر، وقد تعود فكرة تشكيل حكومة وحدة أو حكومة واسعة إلى واجهة المشهد، خصوصاً إذا تعذر على أي معسكر جمع 61 مقعداً.
وهذا تحديداً ما يجعل معركة نتنياهو مع بن غفير ذات أهمية استراتيجية؛ فالخلاف بينهما لا يدور حول ترتيب المقاعد فقط، وإنما حول مستقبل المعسكر الذي يمثل العمود الفقري للحكومة الحالية.
الاقتصاد يراقب صناديق الاقتراع
لم تعد تداعيات الانتخابات مقتصرة على السياسة. فالأسواق الإسرائيلية تراقب المسار الانتخابي باهتمام، في ظل تقديرات بأن نتيجة الانتخابات قد تؤثر في سعر الشيكل بنحو 3% صعوداً أو هبوطاً، وفق تقديرات مصرف «جي بي مورغان».
وتشير تقديرات البنك إلى احتمال بنسبة 55% لفوز المعارضة بقيادة آيزنكوت، مع احتمال أن يؤدي فوز المعارضة إلى تعزيز الشيكل، بينما قد يؤدي استمرار نتنياهو إلى ضغوط معاكسة، في حين قد يبقي سيناريو حكومة ائتلافية واسعة حالة عدم اليقين مرتفعة.
وهذا يعكس حقيقة أن الانتخابات أصبحت مرتبطة ليس فقط بمستقبل القيادة السياسية، وإنما أيضاً بثقة المستثمرين وبالاستقرار الاقتصادي وبمسار الإصلاحات القضائية والسياسات الحكومية المقبلة.
فلسطين في قلب الحسابات الانتخابية
ولا يمكن قراءة الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن القضية الفلسطينية. فاليمين الإسرائيلي، وخصوصاً بن غفير وسموتريتش، يطرح رؤى أكثر تشدداً بشأن الضفة الغربية والاستيطان والقدس ومستقبل التسوية السياسية.
وفي المقابل، فإن البديل الذي يقدمه آيزنكوت لا يمثل بالضرورة عودة إلى مسار التسوية السياسية التقليدية. فقد أعلن في تصريحات حديثة رفضه لفكرة إقامة دولة فلسطينية في الظروف الحالية، مع انتقاده في الوقت ذاته لسياسات بن غفير وسموتريتش ولعنف المستوطنين.
وهذا يعني أن تغير الحكومة الإسرائيلية، إذا حدث، لا يعني بالضرورة تغيراً جذرياً في الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية، وإن كان يمكن أن يغير أدوات إدارة الصراع وشكل الخطاب السياسي ومستوى التصعيد.
الخلاصة: المعركة الحقيقية داخل اليمين
تتجه إسرائيل إلى انتخابات مفصلية في ظل انقسام داخلي واضح. نتنياهو يريد وحدة اليمين لمنع ضياع الأصوات، بن غفير يريد الحفاظ على استقلاله وتعزيز نفوذه، وسموتريتش يبحث عن مخرج يحول دون سقوط حزبه، بينما يدخل لاعبون جدد إلى الساحة ويعيدون توزيع أصوات اليمين.
أما آيزنكوت، فقد نجح حتى الآن في تحويل نفسه إلى منافس جدي لنتنياهو، لكن صدارة الاستطلاعات لا تكفي وحدها لصناعة حكومة؛ فالمعيار الحاسم سيبقى القدرة على بناء ائتلاف من 61 نائباً.
وعليه، فإن انتخابات الكنيست المقبلة ليست مجرد استفتاء على نتنياهو، بل هي استفتاء على مستقبل اليمين الإسرائيلي نفسه: هل يستطيع الحفاظ على وحدته رغم الخلافات الأيديولوجية والشخصية؟ وهل يستطيع نتنياهو إعادة إنتاج ائتلافه؟ أم أن تعدد القوائم والانقسامات سيقود إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية الإسرائيلية؟
وفي جميع الأحوال، فإن المعركة الانتخابية بدأت قبل صناديق الاقتراع. فالصراع الحقيقي يدور الآن على من يقود اليمين، ومن يملك مفاتيح تشكيل الحكومة، ومن يستطيع الوصول إلى الرقم السحري: 61 مقعداً.
وحتى موعد الاقتراع في 27 تشرين الأول/أكتوبر، ستبقى استطلاعات الرأي قابلة للتبدل، والتحالفات قابلة لإعادة التشكل، فيما يبدو أن إسرائيل تتجه إلى واحدة من أكثر الانتخابات تنافساً وتعقيداً في السنوات الأخيرة.
المحامي علي أبوحبلة



