«يا لاعب يا خريب».. عندما تصبح السياسة بلا بوصلة
بين المناورة السياسية وحسابات المصالح.. من يلعب على حافة الهاوية قد يخسر اللعبة كلها
«يا لاعب يا خريب».. عندما تصبح السياسة بلا بوصلة
بين المناورة السياسية وحسابات المصالح.. من يلعب على حافة الهاوية قد يخسر اللعبة كلها
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
في السياسة، لا تكفي القدرة على المناورة، ولا براعة الخطاب، ولا امتلاك أدوات التأثير، لكي يكون السياسي ناجحاً. فالمعيار الحقيقي للنجاح السياسي هو القدرة على قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، وحساب النتائج، وحماية المصالح الوطنية قبل المصالح الشخصية والحزبية.
ومن هنا يكتسب المثل الشعبي القائل: «يا لاعب يا خريب» دلالته السياسية العميقة؛ فإما أن تكون لاعباً يعرف قواعد اللعبة وحدودها وتوقيتاتها، وإما أن يتحول اللعب إلى تخريب، فتكون النتيجة خسارة الجميع.
السياسة ليست لعبة عبثية، ولا ميداناً لتصفية الحسابات، ولا سباقاً دائماً على المواقع والنفوذ. إنها في جوهرها إدارة للمصالح والصراعات والتناقضات، وفي القضايا الوطنية الكبرى تصبح مسؤولية تاريخية لا تحتمل المغامرة أو الحسابات قصيرة النظر.
حين تتحول المناورة إلى هدف
المناورة السياسية مطلوبة، بل هي جزء أصيل من العمل السياسي. لكن المناورة وسيلة وليست غاية. والسياسي الذي ينجح في المناورة لكنه يفشل في تحقيق الهدف الاستراتيجي لا يمكن وصف تجربته بالنجاح.
هناك فارق كبير بين المرونة والارتهان، وبين البراغماتية والتنازل، وبين التكتيك والاستسلام، وبين إدارة الخلاف وتعميقه.
وقد يكون من الحكمة أن تتراجع خطوة لتحقيق مكسب أكبر، أو أن تؤجل قراراً حتى تنضج ظروفه، لكن الخطأ يبدأ عندما يصبح التأجيل سياسة دائمة، والمناورة بديلاً عن القرار، والخلاف بديلاً عن الرؤية.
وفي هذه الحالة يتحول السياسي من لاعب يدير أدواته إلى طرف تحكمه الأدوات التي صنعها بنفسه.
السياسة قصيرة النظر.. ربح اليوم وخسارة الغد
أخطر ما يمكن أن يصيب العمل السياسي هو اختزال المستقبل في اللحظة الراهنة.
قد يحقق السياسي انتصاراً إعلامياً، أو يكسب جولة داخلية، أو ينجح في إقصاء منافس، لكنه في المقابل قد يخسر ثقة الناس، أو يضعف مؤسسات الدولة، أو يعمق الانقسام، أو يهدر فرصة تاريخية.
ولهذا فإن السؤال السياسي الصحيح ليس: ماذا كسبنا اليوم؟ بل: ماذا سيترتب على ما فعلناه اليوم غداً؟
فالدول والشعوب لا تقاس نتائج سياساتها بالتصفيق الآني، وإنما بما تتركه من استقرار وقوة ومناعة وقدرة على مواجهة المستقبل.
عندما يصبح الخصم عدواً
من أخطر أمراض السياسة أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى عداوة، والعداوة إلى محاولة إلغاء الآخر.
في الحياة السياسية الطبيعية، وجود المعارضة أو المنافس أو صاحب الرأي المختلف ليس عيباً، بل قد يكون أحد عوامل التصحيح والمراجعة.
لكن عندما يسود منطق: «إما أنا أو لا أحد»، تصبح المؤسسة السياسية رهينة للأشخاص، ويصبح الولاء للفرد أو المجموعة مقدماً على الولاء للمصلحة العامة.
وهنا تبدأ المؤسسات بالضعف، لأن المؤسسة القوية هي التي تبقى بعد رحيل الأشخاص، وليس التي تنهار برحيل شخص أو تغيّر موقع.
الحالة الفلسطينية.. التحدي أكبر من الخلافات
ولعل الحالة الفلسطينية تقدم مثالاً بالغ الدلالة على خطورة استمرار الحسابات السياسية الضيقة في مرحلة تتطلب أعلى درجات الوحدة الوطنية وإدارة الأولويات.
فالقضية الفلسطينية تواجه تحديات سياسية وميدانية واقتصادية ودبلوماسية وقانونية متشابكة، ما يجعل الحاجة ملحة إلى استراتيجية وطنية جامعة تتجاوز المناكفات وتضع المصلحة الوطنية في مقدمة الحسابات.
ولا يعني ذلك إلغاء التعدد السياسي أو الاختلاف في الاجتهادات، وإنما يعني أن الخلاف يجب أن يبقى في إطار سياسي ومؤسسي، وألا يتحول إلى صراع يستنزف القدرة الوطنية ويمنح الخصوم فرصة استغلال الانقسام.
ففي اللحظات التاريخية، لا يكون السؤال: من انتصر على من؟ وإنما: ماذا بقي من المشروع الوطني؟
الانتخابات ليست غاية.. بل وسيلة لتجديد الشرعية
الانتخابات، في أي نظام سياسي، ليست مجرد منافسة على المقاعد والمواقع، وإنما وسيلة لتجديد الشرعية وتعزيز المشاركة الشعبية وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.
ومن هنا فإن أي استحقاق انتخابي يجب أن يكون مناسبة لترسيخ الحياة الديمقراطية، لا مناسبة لإعادة إنتاج الانقسام أو احتكار القرار.
المطلوب قوائم وبرامج ورؤى، لا مجرد شعارات. والمطلوب منافسة على خدمة الناس، لا منافسة على امتلاك المؤسسات.
كما أن احترام إرادة الناخب يجب أن يكون قاعدة لا استثناء، لأن الشرعية الحقيقية لا تُمنح بالخطابات، وإنما يصنعها المواطن من خلال صندوق الاقتراع والمشاركة والمساءلة.
المطلوب: سياسة المصالح الوطنية لا سياسة الأشخاص
إن الخروج من دائرة «يا لاعب يا خريب» يتطلب الانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات، ومن ردود الفعل إلى صناعة القرار، ومن التكتيك المنفصل إلى الاستراتيجية المتكاملة.
وهذا يتطلب أولاً تحديد الأولويات الوطنية بوضوح، ثم بناء أدوات سياسية واقتصادية وقانونية ودبلوماسية قادرة على تحقيقها.
كما يتطلب احترام المؤسسات، وتوسيع المشاركة، وإتاحة المجال أمام الكفاءات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، والابتعاد عن سياسة الإقصاء والتهميش.
فالسياسة التي لا تستند إلى مؤسسات تتحول إلى مزاج، والسياسة التي لا تستند إلى استراتيجية تتحول إلى رد فعل، والسياسة التي لا تستند إلى ثقة الناس تفقد قدرتها على الاستمرار.
اللاعب الحقيقي هو من يعرف متى يلعب ومتى يتوقف
الحنكة السياسية لا تعني كثرة المناورات، وإنما معرفة متى تناور، ومتى تتفاوض، ومتى تتوافق، ومتى تقول لا، ومتى تقدم المصلحة العامة على المكسب الشخصي.
والسياسي الحقيقي ليس من يربح كل معركة، وإنما من يعرف أي المعارك تستحق أن تُخاض، وأيها يجب تجاوزها، وكيف يحول الخلاف إلى فرصة، والأزمة إلى مدخل للحل، والضعف المؤقت إلى قوة مستدامة.
أما من يواصل اللعب بلا حساب للنتائج، فقد يكتشف متأخراً أنه لم يعد يلعب على رقعة سياسية، بل أصبح يعبث بمصالح شعب ومؤسسات ومستقبل وطن.
الخلاصة
«يا لاعب يا خريب» ليست مجرد عبارة شعبية، بل تختصر درساً سياسياً بالغ الأهمية: من لا يمتلك رؤية استراتيجية قد يتحول تكتيكه إلى تخريب، ومن يضع مصالحه الخاصة فوق المصلحة العامة قد يخسر الطرفان معاً.
السياسة تحتاج إلى شجاعة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى عقل؛ وتحتاج إلى مواقف، لكنها تحتاج أيضاً إلى حساب دقيق للنتائج؛ وتحتاج إلى منافسة، لكنها لا تحتمل تدمير قواعد اللعبة.
وفي القضية الفلسطينية على وجه الخصوص، فإن المرحلة لا تسمح بإضاعة الوقت في صراعات داخلية أو حسابات شخصية. المطلوب إعادة ترتيب الأولويات، وتوحيد الجهد الوطني، وتعزيز الشرعية والمؤسسات، والاستفادة من كل أدوات القوة السياسية والقانونية والدبلوماسية والاقتصادية المتاحة.
فالتاريخ لا يسأل السياسي كم معركة ربح، وإنما يسأله في النهاية: ماذا أبقى لشعبه؟ وماذا بنى؟ وماذا حمى؟ وماذا أنجز؟
وهنا تحديداً يصبح المثل أكثر وضوحاً:
إما أن نكون لاعبين سياسيين نعرف قواعد اللعبة ونمتلك رؤية للمستقبل، وإما أن يتحول اللعب إلى تخريب، فنخسر الملعب واللاعبين والنتيجة معاً.
بقلم: المحامي علي أبوحبلة



