الانتخابات التشريعية الفلسطينية.. استحقاق لتجديد الشرعية وترميم الحياة الديمقراطية

إعداد وتحليل: المحامي علي أبو حبلة

أغسطس 24, 2026 - 16:12
أغسطس 24, 2026 - 16:13
الانتخابات التشريعية الفلسطينية.. استحقاق لتجديد الشرعية وترميم الحياة الديمقراطية

الانتخابات التشريعية الفلسطينية.. استحقاق لتجديد الشرعية وترميم الحياة الديمقراطية
إعداد وتحليل: المحامي علي أبو حبلة
تشكل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل محطة سياسية ودستورية بالغة الأهمية، تتجاوز في دلالاتها مجرد إجراء انتخابي دوري، لتشكل اختباراً لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على تجديد شرعيته التمثيلية واستعادة المسار الديمقراطي، في ظل ظروف سياسية وأمنية واقتصادية بالغة التعقيد.
وفي هذا السياق، يأتي اللقاء مع ممثلي عدد من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لبحث الاستعدادات الجارية لإجراء الانتخابات ودور هذه المؤسسات في دعم العملية الانتخابية وتعزيز المشاركة والرقابة عليها، ليؤكد أن نجاح الاستحقاق الانتخابي لا يعتمد فقط على الجاهزية الفنية، وإنما يحتاج إلى شراكة مجتمعية واسعة تضمن النزاهة والشفافية وتعزز ثقة المواطن بالعملية الانتخابية.
ويبرز في هذا الإطار الدور الذي يضطلع به رئيس لجنة الانتخابات المركزية، الدكتور رامي الحمدالله، إلى جانب أعضاء اللجنة وطواقمها الفنية والإدارية، في متابعة الاستعدادات والترتيبات اللازمة لإنجاز الاستحقاق في موعده المحدد. وقد أكدت المعطيات المعلنة أن اللجنة ماضية في تنفيذ الجدول الزمني المعتمد، بما في ذلك استكمال إجراءات تسجيل الناخبين، والتحضير لمراحل الترشح والاقتراع والفرز وإعلان النتائج.
وقد أنجزت مرحلة تسجيل الناخبين في الضفة الغربية بنسبة تجاوزت 87%، فيما أعيد تشغيل مكاتب لجنة الانتخابات المركزية في قطاع غزة، واستُكملت الطواقم الفنية اللازمة، استعداداً لبدء مرحلة الترشح في 26 أيلول/سبتمبر المقبل بالتزامن في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية سياسية ومؤسسية، لأنها تؤشر إلى وجود استعداد جدي لإنجاز الانتخابات في موعدها، رغم التعقيدات التي تحيط بالمشهد الفلسطيني. كما أن انتظام العملية الانتخابية في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن مسار واحد يحمل دلالة تتجاوز الجانب الفني، باعتباره مرتبطاً بوحدة النظام السياسي والجغرافي الفلسطيني، وبإمكانية إعادة بناء المؤسسات على أساس التمثيل الشعبي.
ولا شك أن إدارة الانتخابات في ظروف استثنائية تتطلب من لجنة الانتخابات المركزية مستوى عالياً من المهنية والحياد والدقة. ومن هنا فإن الجهد الذي يبذله الدكتور رامي الحمدالله وأعضاء اللجنة والطواقم العاملة فيها يستحق التقدير، خصوصاً أن إنجاز الاستحقاق في موعده يتطلب متابعة دقيقة لمختلف المراحل، وتنسيقاً متواصلاً، وقدرة على التعامل مع التحديات التي قد تبرز خلال العملية الانتخابية.
غير أن الجاهزية الفنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان نجاح الانتخابات. فالانتخابات الديمقراطية تحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على نزاهة الإجراءات، وحرية المنافسة، وتكافؤ الفرص، وشفافية الرقابة، واحترام النتائج. وهنا تتقدم مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها شريكاً أساسياً في تعزيز الرقابة المجتمعية والتوعية الانتخابية ورصد المخالفات والمساهمة في توفير بيئة تمكن المواطن من ممارسة حقه الانتخابي بحرية.
كما أن ارتفاع نسبة تسجيل الناخبين لا يعني بالضرورة ارتفاع نسبة المشاركة يوم الاقتراع. فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحويل التسجيل إلى مشاركة فعلية، ولا سيما في ظل حالة الإحباط السياسي والظروف الاقتصادية الصعبة والانقسامات الداخلية التي أثرت في ثقة قطاعات من المجتمع بالمؤسسات السياسية.
ومن الناحية السياسية، يمكن للانتخابات التشريعية أن تشكل مدخلاً لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، وتجديد النخب السياسية، وإتاحة المجال أمام طاقات وشخصيات جديدة للمشاركة في الحياة العامة. إلا أن تحقيق ذلك يتطلب انتخابات تنافسية حقيقية، تضمن للناخب حرية الاختيار، وللمرشحين والقوائم تكافؤ الفرص، بعيداً عن أي ضغوط أو إقصاء.
وتتحمل القوى السياسية مسؤولية أساسية في إنجاح هذا المسار من خلال احترام قواعد المنافسة الديمقراطية، والقبول بنتائج صناديق الاقتراع، والابتعاد عن خطاب التحريض والاستقطاب. كما يتحمل الإعلام مسؤولية تقديم تغطية مهنية ومتوازنة، فيما تقع على مؤسسات المجتمع المدني مسؤولية ممارسة رقابة مستقلة وموضوعية تنحاز إلى نزاهة العملية الانتخابية وليس إلى أي طرف سياسي.
إن الانتخابات المقبلة ينبغي ألا تُختزل في يوم الاقتراع، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها مساراً لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية. فنجاح العملية الانتخابية يقاس بقدرتها على إنتاج مجلس تشريعي يتمتع بتمثيل شعبي حقيقي، ويمارس دوره التشريعي والرقابي، ويسهم في إعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية والحياة الديمقراطية.
وفي المحصلة، فإن التحدي أمام لجنة الانتخابات المركزية، برئاسة الدكتور رامي الحمدالله، لا يتمثل فقط في الوصول إلى يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر وفق الموعد المحدد، وإنما في ضمان أن تكون العملية الانتخابية بمراحلها المختلفة نموذجاً في المهنية والشفافية والنزاهة. وهذا يتطلب استمرار الجهد المؤسسي الذي تبذله اللجنة، بالتوازي مع دعم المجتمع المدني والإعلام والجهات السياسية كافة.
إن إنجاز الانتخابات في موعدها سيكون خطوة مهمة، لكن الأهم أن تكون هذه الانتخابات مدخلاً حقيقياً لتجديد الشرعية السياسية، واستعادة ثقة المواطن، وترميم النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة التعددية والشراكة واحترام الإرادة الشعبية. ومن هنا، فإن مسؤولية الجميع أن تتحول الانتخابات من مجرد استحقاق دستوري إلى فرصة لإعادة بناء الحياة الديمقراطية الفلسطينية وتعزيز قدرة المؤسسات المنتخبة على القيام بدورها في خدمة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.