طاسة الرعب الفلسطينية
د. إبراهيم نعيرات
في السياسة الفلسطينية، ثمة أشياء لا تحتاج إلى قرار رسمي كي تصبح جزءًا من الحياة اليومية. يكفي أن يصبح احتمالها متداولًا حتى تبدأ بأداء وظيفتها. الخوف لا ينتظر دائمًا أن يقع الحدث؛ يكفي أن يصبح ممكنًا. وربما لهذا تبدو فلسطين اليوم وكأنها تعيش تحت ما يمكن تسميته، بسخرية مريرة، «طاسة الرعب»: وعاء كبير تُلقى فيه كل المخاوف دفعة واحدة؛ الاحتلال والحرب والانقسام والفقر والانتخابات والمستقبل، وحتى فكرة التغيير نفسها. وكلما اقترب أحد من رفع الطاسة، قيل له إن ما تحتها قد يكون أخطر مما نحتمل.
لكن «طاسة الرعب» ليست مجرد خوف من حدث بعينه، بل تعبير عن حالة أعمق: فوبيا الغد. لقد أصبح الغد أكثر حضورًا في يومنا، لا بوصفه وعدًا بما يمكن أن يكون، بل احتمالًا لما قد يسوء. لم يعد الفلسطيني يخاف فقط مما يحدث، بل مما قد يحدث؛ ولم يعد الخوف مرتبطًا بما وقع، بل بما يمكن أن يقع. تراكم الأزمات، وانهيار اليقين، وتآكل الثقة بالمؤسسات، واستمرار الاحتلال والانقسام، جعلت المستقبل يبدو مساحة للمخاطر قبل أن يكون مساحة للأمل. صار الغد حاضرًا في وعينا قبل أن يأتي، وأصبح الخوف مما قد يحمله يضغط على قراراتنا اليوم.
الخوف طبيعي في مجتمع عاش عقودًا من الصراع والاحتلال وعدم اليقين، لكنه يصبح مشكلة سياسية حين يتحول إلى أداة لإدارة الواقع؛ حين يصبح احتمال الأسوأ مبررًا لتأجيل الإصلاح، وخطر الفوضى سببًا للتمسك بما هو قائم حتى عندما يفقد قدرته على إنتاج الأمل والشرعية والثقة. عندها لا يعود الخوف مجرد نتيجة للواقع، بل يصبح جزءًا من الطريقة التي يحافظ بها الواقع على نفسه.
وهنا تقع المفارقة الفلسطينية: الخوف من نتائج التغيير يقود إلى تجميد التغيير، وتجميد التغيير ينتج واقعًا أكثر هشاشة، والهشاشة تجعل أي تغيير لاحق أكثر خطورة. يُخشى من الانتخابات لأنها قد تعمق الانقسام، ومن دخول قوى جديدة لأنها قد تغير التوازنات، ومن النتائج غير المحسوبة، فيبدو عدم اتخاذ القرار وكأنه بلا نتائج، مع أن الزمن نفسه ينتج نتائج، وغالبًا ما تكون أكثر كلفة من القرار المؤجل.
وهكذا يتحول «ليس الآن» إلى فلسفة سياسية: لا تفعلوا شيئًا لأن الأسوأ قد يحدث، لا تغيروا القواعد لأن النتائج غير مضمونة، لا تفتحوا المجال لأن أحدًا قد يستغله. وفي كل مرة تتسع دائرة الخوف، تضيق مساحة السياسة، حتى يصبح المطلوب منها أن تضمن النتائج بدل أن تديرها، وأن تحمي النظام من المجتمع بدل أن تجعله قادرًا على استيعابه. يصبح المستقبل حجة لتجميد الحاضر، ويصبح احتمال الخطر أقوى من احتمال الفرصة.
وهنا تكمن خطورة فوبيا الغد: أننا نقيس الحاضر بما نخشى أن يأتي بعده. نقبل أحيانًا بما لا نرضاه لأن البديل مجهول، ونتمسك بما نعرف عيوبه لأن ما لا نعرفه يخيفنا أكثر. ومع الوقت يصبح المجهول أخطر من السيئ، ويصبح الاستقرار مرادفًا للبقاء، حتى عندما ينتج البقاء مزيدًا من الهشاشة. لقد أصبح الخوف من الغد أحيانًا أقوى من أمل الغد؛ حتى صار الفلسطيني يخاف من المستقبل قبل أن يعيشه، ويقاوم احتمال الخطر أكثر مما يبني احتمال النجاة.
لكن السياسة لا تُبنى بإلغاء المخاطر، بل بإدارتها. النظام السياسي القوي ليس الذي يمنع المفاجآت، وإنما الذي يستطيع استيعابها. والديمقراطية لا تُختبر عندما تأتي النتائج كما نريد، بل عندما تأتي على نحو لا نريده ونظل قادرين على التعامل معها لأن المؤسسات أقوى من الفائز، والقواعد أكبر من النتيجة. لذلك فالمسألة ليست فقط فيمن يحكم، وإنما في قدرة النظام على إدارة الاختلاف عندما لا يتفق الفلسطينيون على من يحكم.
وجود قوى متعددة واختلاف الرؤى ليسا المشكلة، وحتى وصول قوة سياسية لا يرغب بها الجميع ليس بالضرورة نهاية العالم. المشكلة أن النظام لم يطور بما يكفي من القواعد والمؤسسات ما يجعل الاختلاف قابلًا للإدارة، والتنافس قابلًا للاحتواء، والخسارة قابلة للقبول، والفوز قابلًا للتقييد. حين تكون المؤسسات قوية، لا يصبح فوز طرف نهاية النظام، لأن المؤسسات تمنع أي طرف من أن يصبح هو النظام كله. وحين تكون القواعد واضحة، لا تصبح الانتخابات مغامرة مجهولة. أما حين تكون المؤسسات ضعيفة، تصبح كل نتيجة سياسية وكأنها زلزال، لأن النظام كله يبدو معلقًا عليها.
ومن هنا يصبح الخوف دائرة مغلقة: الاحتلال يجعل الانقسام أخطر، والانقسام يجعل الانتخابات أخطر، والانتخابات تجعل التغيير أخطر، والخوف من التغيير يجعل الجمود يبدو استقرارًا، والجمود ينتج مزيدًا من التآكل. ومع الوقت لا يعود المواطن يرى السياسة مجالًا لصناعة المستقبل، بل مجالًا يحميه من الأسوأ، وتتحول القوى السياسية إلى «حواجز أخيرة» أمام الكارثة بدل أن تكون مشاريع لصناعة المستقبل.
ولا تفقد المجتمعات ثقتها بالسياسة دفعة واحدة. يحدث ذلك حين تشعر أن القرارات الكبرى تُتخذ باسم الضرورة، وأن مشاركتها تأتي بعد حسم الخيارات، وأن المطلوب منها أن تخاف من المخاطر دون أن يكون لها دور في اختيار الطريق. ومع الوقت يصبح المواطن أقل اهتمامًا بمن يملك مشروعًا أفضل، وأكثر اهتمامًا بمن سيحميه من الأسوأ، ويتحول من شريك في صناعة المستقبل إلى متلقٍ لتحذيرات متواصلة منه.
لكن الحرب لا تنتظر، والاحتلال لا ينتظر، والتحولات الإقليمية لا تنتظر، والأجيال الجديدة لا تنتظر، وتآكل الثقة لا ينتظر. وحده الإصلاح يُطلب منه دائمًا أن ينتظر. والتأجيل لا يلغي التناقضات؛ بل يدفعها إلى الأمام، حيث تصبح أعمق وأقل قابلية للإدارة. فالخلاف الذي يدخل إلى المؤسسة يمكن تنظيمه، والتناقض الذي يدخل إلى السياسة يمكن التفاوض حوله، أما الخلاف الذي يُمنع من الظهور فلا يختفي؛ إنه يتراكم في مكان آخر.
لذلك فإن الأخطر ليس أن تأتي انتخابات بنتائج صعبة، أو أن تدخل قوة جديدة إلى النظام، أو أن تظهر تناقضات كانت مخفية؛ الأخطر أن نؤجل ظهورها حتى تخرج من المجال السياسي والمؤسسي إلى مجال يصعب ضبطه. فالسياسة ليست منع الاختلاف، وإنما إعطاؤه مكانًا وقواعد وحدودًا. وما لا يجد مكانًا في السياسة لا يختفي من المجتمع؛ بل يبحث عن مكان آخر.
ولهذا لا يعني التغيير الفوضى، كما لا يعني الاستقرار الجمود. الاستقرار الحقيقي هو قدرة النظام على التغير من دون أن ينكسر، وقدرة المجتمع على تحمل نتائج السياسة دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع على الوجود. والقوة السياسية ليست في ضمان النتائج مسبقًا، وإنما في بناء مؤسسات تحمي المجتمع مهما كانت النتائج. النظام الأقوى ليس الذي يعرف مسبقًا من سيفوز، وإنما الذي يستطيع أن يعيش مع من يفوز.
وربما آن الأوان لأن نقلب الطاسة، لا لكي نكتشف أن الخوف غير موجود، بل لكي نكتشف أنه ليس كل ما فيها. تحت الحرب والانقسام والاحتلال والقلق يوجد مجتمع فلسطيني يريد أن يعيش ويختلف وينتخب ويخطئ ويصحح، ويريد أن يرى السياسة مجالًا للفعل لا مصدرًا دائمًا للتهديد. يريد أن يشعر أن صوته يمكن أن يغير، وأن اختلافه لا يجعله خطرًا على وطنه، وأن المستقبل ليس كارثة ينبغي تأجيلها، بل مساحة يمكن بناؤها.
فالمشكلة ليست أننا نخاف من الغد؛ فمن الطبيعي أن نخاف مما لا نعرفه. المشكلة أن فوبيا الغد قد تجعلنا نضحي بإمكانات اليوم من أجل تجنب أخطار لم تقع بعد. وحين يصبح المستقبل الذي لم يأتِ أقوى من الحاضر الذي نعيشه، تتحول السياسة إلى إدارة للخوف بدل أن تكون صناعة للممكن، ونحمي أنفسنا من احتمال الخطر ولو كان الثمن إبقاء أسباب الهشاشة قائمة.
ولعل المفارقة الأشد أن ما نخاف منه في السياسة قد يكون أحيانًا أقل خطرًا مما يصنعه خوفنا منها. فالمجتمع الذي يتعلم كيف يختلف داخل المؤسسات يصبح أقوى من مجتمع يتجنب الاختلاف خوفًا من نتائجه، والنظام الذي يثق بمؤسساته لا يحتاج إلى أن يخاف من المستقبل بالنيابة عن مواطنيه. والخروج من «طاسة الرعب» لا يعني أن نعد الفلسطينيين بغدٍ آمن، فهذا وعد لا يستطيع أحد تقديمه؛ بل أن نبني نظامًا قادرًا على التعامل مع الغد مهما جاء، وأن نجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يصبح تهديدًا، والتغيير ممكنًا دون أن يصبح مقامرة، والنتائج غير المتوقعة جزءًا من السياسة لا سببًا لإلغائها.
فقد لا نستطيع أن نعرف ماذا يحمل الغد، لكن يمكننا أن نقرر بأي مؤسسات، وبأي قواعد، وبأي قدرة على الاختلاف، سندخله. وربما هنا تكمن النقلة التي تحتاجها السياسة الفلسطينية: أن نتوقف عن حماية الحاضر بالخوف من المستقبل، وأن نبدأ ببناء حاضر لا يحتاج إلى الخوف من المستقبل كي يستمر.
عندها فقط يمكن أن نقلب «طاسة الرعب» ونكتشف أن تحت الخوف شيئًا آخر ظل غائبًا طويلًا: الثقة بأننا، مهما كان الغد، نستطيع أن ندخله دون أن نفقد بعضنا، وأن نختلف فيه دون أن نخسره، وأن نصنع منه مستقبلًا بدل أن نقضي حاضرنا في الخوف منه.



