من "أنا" إلى "الصورة التي أقدمها عن نفسي"

مريم شومان

أغسطس 24, 2026 - 08:12
من "أنا" إلى "الصورة التي أقدمها عن نفسي"

مريم شومان

لم يعد حضورنا على المنصات الرقمية مجرد امتداد لحياتنا اليومية، بل أصبح مساحة موازية تُعاد فيها صياغة ذواتنا باستمرار.

هناك، لا نقدَّم كما نحن، بل كما نختار أن نبدو عليه.

وبين الصورة التي نعيشها والصورة التي ننشرها تتشكل فجوة صغيرة لكنها مؤثرة، تتسع مع كل منشور وكل إعجاب وكل مقارنة صامتة نجريها دون أن ننتبه.

في هذا الفضاء، لا يتعلق الأمر فقط بما نقوله بل بكيفية استقباله وبالانطباع الذي يتركه وبالقياس المستمر لمدى "نجاحه" رقميا. وهكذا يتحول التعبير عن الذات من فعل حر إلى عملية محسوبة تتداخل فيها الرغبة في المشاركة مع الحاجة إلى القبول.

وهنا يأتي السؤال المهم: هل ما أقدمه عن نفسي هو أنا فعلا، أم النسخة التي يتوقعها الآخرون؟

المنصات لا تعرض حياتنا كما هي

نلتقط الصورة أكثر من مرة، نختار الصورة الأفضل، نكتب الجملة، نحذفها نعيد كتابتها ثم ننشر، وهذا ليس جديدا تماما، الإنسان كان دائما يهتم بالصورة التي يقدمها للآخرين، لكن المنصات الرقمية وسعت هذا السلوك وجعلته مستمرا وقابلا للقياس.

عدد الإعجابات والمشاهدات والتعليقات، والمتابعون... أصبحت استجابة الآخرين جزءا من تقييمنا لما نشرناه، وهنا تتداخل العملية الإعلامية مع العملية النفسية.

لم يعد السؤال فقط: "ماذا أريد أن أقول؟"، بل صار: "كيف سيستقبل الآخرون ما أقول؟"

ومع الوقت قد يتحول هذا السؤال إلى رقابة داخلية، نبدأ في تعديل ما ننشره قبل أن يراه الآخرون وقد نمتنع عن النشر أصلا إذا توقعنا أن لا يحظى باالاهتمام.

بهذا المعنى، لا تعمل المنصة فقط كمكان للنشر بل تصبح جزءا من عملية تشكيل السلوك.

المقارنة التي لا تنتهي

هناك مشكلة أخرى لا يمكن فصلها عن هذا كله: المقارنة الاجتماعية

الشاشة تعرض لنا حياة الاخرين في أكثر لحظاتها قابلية للعرض، لا نرى غالبا الملل والفشل والقلق والخلافات والأيام العادية،، فقط نرى النتيجة.

رحلة ناجحة، وظيفة جديدة، منزل جميل، مناسبة سعيدة، إنجاز مهني، صورة مثالية، ثم نقارن هذه اللحظات بأيامنا العادية. وهنا قد يظهر شعور غريب: لماذا يبدو الجميع بخير إلا أنا؟

ليس لأن الآخرين يعيشون حياة مثالية، بل لأننا نقارن حياتنا كاملة بما اختاروا هم أن يعرضوه منها.

الحاجة إلى الاختفاء ليست ضعفا

لهذا تبدو فكرة الابتعاد عن المنصات أكثر من مجرد رغبة في الراحة، أحيانا نحتاج إلى ألا نعرف؛ ألا نعرف ماذا نشر الآخرون، ألا نراقب أخبارهم، ألا ننتظر ردا، ألا نفكر في الصورة التي يراها الناس عنا.

هناك قيمة نفسية في وجود مساحة لا يصل إليها الجمهور، مساحة لا تحتاج إلى توثيق، مساحة لا تقاس بعدد المشاهدات، مساحة لا تتحول فيها كل لحظة إلى مادة قابلة للنشر.

قد يبدو هذا الأمر بسيطا لكنه يمسّ أسئلة أكبر:

من الذي يقرر إيقاع حياتنا؟ هل نحن من يقرر متى نفتح الشاشة ومتى نغلقها؟ أم أن المنصة أصبحت هي التي تحدد متى ننتبه ومتى نشعر بالفضول ومتى نعود؟

هنا تكمن القضية الحقيقية.

ليست المشكلة أن الهاتف موجود في أيدينا، المشكلة أن المنصات أصبحت تعرف كيف تستحوذ على انتباهنا وتربط هذا الانتباه بالمحتوى والتفاعل والمقارنة والإشعارات ثم تعيد تقديم الحلقة نفسها مرة أخرى.

لسنا بحاجة إلى حرب مع الشاشات

الحل ليس في شيطنة وسائل التواصل الاجتماعي ولا في الدعوة إلى العيش بعيدا عن التكنولوجيا. هذه المنصات أصبحت جزءا من العمل والتعليم والعلاقات العامة والخاصة وحتى صنّاع الرأي.

لكن استخدام المنصة شيء وتحويلها إلى بيئة تحدد إيقاع حياتنا شيء آخر، لذلك نحتاج إلى إعادة التفكير في علاقتنا بها.

أن نعرف متى نستخدمها ولماذا، أن نميز بين التواصل الحقيقي وبين التصفح الذي لا يقود إلى شيء، أن نعيد للخصوصية معناها لا باعتبارها إخفاء كاملا للحياة بل باعتبارها حقا في اختيار ما يبقى لنا وحدنا.

ومن المفيد أيضا أن تتعامل المؤسسات التعليمية والإعلامية مع الثقافة الرقمية باعتبارها مهارة حياتية لا مجرد معرفة تقنية، فتعليم الناس كيف تعمل الخوارزميات وكيف تُصنع دوائر الانتباه وكيف تؤثر المقارنة الرقمية في السلوك لا يقل أهمية عن معرفتهم بكيفية استخدام المنصة نفسها.

وعلى المستوى المنصات، يبقى السؤال أكبر من مسؤولية المستخدم وحده، فتصميم المنتجات الرقمية يؤثر في السلوك ولذلك ينبغي أن تكون هناك مساحة أكبر للشفافية حول آليات التوصية وإدارة الإشعارات وحماية الخصوصية ومنح المستخدم قدرة حقيقية على فهم ما الذي يراه ولماذا يراه.

أما على المستوى الشخصي، فربما نحتاج إلى استعادة فكرة تبدو قديمة جدا في عالم سريع جدا: أن تكون بعيدا لا يعني أنك غائب.

ختاما

ليس مطلوبا أن نختفي من العالم، بل ألا نسمح للعالم الرقمي أن يختفي بنا داخل نفسه.

فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نستخدم وسائل التواصل كثيرا، بل عندما نتوقف عن ملاحظة أن المنصة بدأت تحدد لنا ما نراه وما نتابعه وما نقارن أنفسنا به ومتى نشعر أننا يجب أن نعود إليها.

عندها لا تعود الشاشة مجرد نافذة نطل منها على العالم، بل تصبح العالم الذي نطل منه.

وهنا يصبح الابتعاد عنها – ولو لبعض الوقت – ليس انسحابا من الحياة، بل استعادة لمسافة ضرورية بين الإنسان والأداة قبل أن نصل إلى اللحظة التي لا نعرف فيها إن كنا نستخدم المنصات أم أنها تستخدم انتباهنا. وقبل أن يتحول حضورنا الرقمي من اختيار شخصي إلى سلوك تتحكم فيه خوارزميات لا نراها ولا نعرف دائما كيف تعمل.