الاعتقال الإداري وإجراءات الطعن.. بين النصوص القانونية وممارسات الاحتلال

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أغسطس 11, 2026 - 15:44
الاعتقال الإداري وإجراءات الطعن.. بين النصوص القانونية وممارسات الاحتلال

الاعتقال الإداري وإجراءات الطعن.. بين النصوص القانونية وممارسات الاحتلال
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يُعدّ الاعتقال الإداري من أكثر الإجراءات إثارة للجدل في منظومة العدالة المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، لما ينطوي عليه من حرمان شخص من حريته دون توجيه اتهام جزائي معلن أو إجراء محاكمة عادية، استناداً في الغالب إلى معلومات أمنية سرية لا يطّلع المعتقل أو محاميه على تفاصيلها كاملة.
ومن الناحية القانونية، لا بد من التمييز بين وجود الاعتقال الإداري كإجراء استثنائي في القانون الدولي الإنساني وبين التوسع في استخدامه وتحويله إلى وسيلة احتجاز طويلة الأمد. فالقانون الدولي لا يجيز الاحتجاز الإداري بصورة مطلقة، وإنما يربطه بشروط صارمة، وبضرورات أمنية حقيقية واستثنائية، وبضمانات للمراجعة القضائية وحقوق المحتجز.
الاعتقال الإداري ليس حكماً بالإدانة
الاعتقال الإداري لا يُعدّ حكماً جزائياً، ولا يفترض بذاته ثبوت ارتكاب المعتقل لجريمة. وهو إجراء احترازي تقول سلطات الاحتلال إنه يستهدف منع خطر أمني مستقبلي، وليس معاقبة شخص على فعل ثبتت إدانته به أمام محكمة مختصة.
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن أمر الاعتقال قد يستند إلى ملف أمني سري، بحيث لا تُكشف للمعتقل ومحاميه جميع المواد التي بنت عليها السلطة قرارها. ومن ثم تبرز مسألة جوهرية تتعلق بمدى قدرة المعتقل على ممارسة حقه الفعلي في الدفاع والطعن في أسباب حرمانه من حريته.
كما أن أوامر الاعتقال الإداري في الضفة الغربية يمكن أن تصدر لمدة محددة، مع إمكانية التجديد، الأمر الذي يثير إشكالية قانونية بالغة عندما يتحول الإجراء الاستثنائي والمؤقت إلى احتجاز متكرر أو طويل الأمد دون توجيه اتهام أو إجراء محاكمة جزائية.
ماذا يقول القانون الدولي؟
يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة (9) عدم جواز القبض على أحد أو اعتقاله تعسفاً، كما يكرس حق الشخص المحروم من حريته في أن تكون قانونية احتجازه محل مراجعة أمام جهة قضائية.
ولا يقتصر مفهوم التعسف في القانون الدولي على مخالفة النص القانوني الداخلي، وإنما يرتبط كذلك بمعايير الضرورة والتناسب والعدالة وعدم التعسف في استعمال السلطة.
أما في إطار القانون الدولي الإنساني، فإن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تضع قيوداً مشددة على التدابير الأمنية التي يجوز لقوة الاحتلال اتخاذها بحق الأشخاص المحميين. ويُفهم من ذلك أن الاحتجاز الإداري لا يمكن أن يكون إجراءً روتينياً أو بديلاً دائماً عن المحاكمة الجزائية، وإنما يجب أن يبقى مرتبطاً بضرورات أمنية استثنائية ومحددة.
كيف يتم الطعن في قرار الاعتقال الإداري؟
من المهم هنا تصحيح تصور شائع: الطعن في الاعتقال الإداري لا يعني بالضرورة وجود محاكمة جزائية ثم استئناف للحكم، لأن المعتقل الإداري لم يُحاكم أصلاً على تهمة جزائية بالمعنى التقليدي.
تتم المراجعة القضائية لأمر الاعتقال أمام المحكمة العسكرية المختصة، حيث يُعرض أمر الاعتقال والأساس الذي تستند إليه السلطة لإبقائه نافذاً. ويملك المعتقل، بواسطة محاميه، الاعتراض على استمرار الاعتقال وطلب إلغاء الأمر أو تقصير مدته.
وتقوم المحكمة بمراجعة مدى قانونية الأمر والأساس الذي يستند إليه، إلا أن الإشكالية الجوهرية تتمثل في أن جزءاً مهماً من المواد الأمنية قد يبقى سرياً بالنسبة إلى المعتقل ومحاميه، بينما يطلع عليها القاضي ضمن إجراءات سرية.
وهنا يثور السؤال المتعلق بجوهر العدالة الإجرائية: كيف يستطيع المعتقل أن يدحض ادعاءات لا يعرف مضمونها ولا يستطيع الاطلاع على أدلتها؟
ماذا بعد قرار المحكمة؟
إذا لم يقتنع المعتقل أو محاميه بقرار المحكمة العسكرية المختصة، فإن إمكانية الطعن أمام درجة قضائية أعلى تتحدد وفق نوع القرار والإجراء القانوني المتاح في الحالة المحددة. ولذلك لا يصح القول إن كل قرار بالاعتقال الإداري ينتقل تلقائياً إلى «المحكمة العليا» باعتبارها درجة استئناف عادية.
وفي بعض الحالات يمكن أن يكون الطريق القانوني هو الاستئناف أمام المحكمة العسكرية للاستئنافات، وفي حالات أخرى قد يكون اللجوء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية من خلال التماس قضائي وفق الشروط والإجراءات المقررة، وليس باعتباره استئنافاً عادياً ثالثاً.
كما أن حضور المعتقل شخصياً أمام المحكمة ليس قاعدة مطلقة في جميع مراحل الطعن؛ فقد تتم بعض الإجراءات بحضور المحامي، بينما يخضع حضور المعتقل وطريقة انعقاد الجلسة لطبيعة الإجراء وقرار المحكمة والاعتبارات المتعلقة بنقله وأمنه. ولذلك فإن الإجابة الدقيقة تتطلب معرفة المرحلة التي وصل إليها الملف والجهة القضائية التي تنظر فيه.
جوهر الإشكالية: الاستثناء عندما يتحول إلى قاعدة
إن أخطر ما يثيره ملف الاعتقال الإداري ليس مجرد وجود النص القانوني، وإنما كيفية تطبيقه وحدود استخدامه.
فإذا كان الأصل في العدالة أن الإنسان لا يُحرم من حريته إلا بناءً على أسباب قانونية واضحة، وأن يكون قادراً على معرفة ما يُنسب إليه وممارسة حقه في الدفاع، فإن توسيع نطاق الاعتقال الإداري وتجديد أوامر الاعتقال بصورة متكررة، مع استمرار حجب الأدلة الأساسية عن المعتقل ومحاميه، يطرح أسئلة جدية حول مدى احترام مبادئ الضرورة والتناسب والرقابة القضائية الفعالة.
كما أن استمرار الاحتجاز لفترات طويلة دون توجيه اتهام أو محاكمة يثير إشكالية أكبر تتعلق بتحويل التدبير الاحترازي إلى صورة من صور العقوبة الفعلية، وهو ما يتعارض مع الطبيعة الاستثنائية التي يفترض أن تحكم الاعتقال الإداري في القانون الدولي.
المطلوب: ضمانات قضائية حقيقية
إن احترام القانون لا يتحقق بمجرد وجود محكمة تنظر في قرار الاعتقال، وإنما يتطلب أن تكون المراجعة القضائية فعالة ومستقلة وقادرة على اختبار أساس القرار، وأن تتوافر للمعتقل ضمانات حقيقية لممارسة حق الدفاع بالقدر الذي تسمح به الضرورات الأمنية المشروعة.
ومن هنا، فإن المبدأ القانوني الأهم يجب أن يبقى واضحاً: الحرية هي الأصل، والاحتجاز الاستثنائي هو الاستثناء، ولا يجوز أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة.
وبصرف النظر عن الموقف السياسي من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فإن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان يفرض على سلطة الاحتلال أن تبرهن، في كل حالة، على وجود ضرورة أمنية حقيقية ومحددة، وأن تخضع قراراتها لمراجعة قضائية فعالة، وأن تضع حداً للاحتجاز عندما تنتفي أسبابه.
أما استمرار الاعتقال الإداري وتجديده بصورة متكررة دون محاكمة أو اتهام، مع حرمان المعتقل ومحاميه من الاطلاع الفعلي على الأساس الذي يقوم عليه القرار، فيبقى موضع إشكال قانوني جدي أمام مبادئ الضرورة والتناسب وعدم التعسف والحق في الحرية والضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
المحامي علي أبو حبلة