أموال المقاصة الفلسطينية بين الابتزاز السياسي ومحاولات إعادة هندسة التمثيل الفلسطيني
بقلم المحامي علي أبو حبلة
أموال المقاصة الفلسطينية بين الابتزاز السياسي ومحاولات إعادة هندسة التمثيل الفلسطيني
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في تطور بالغ الخطورة على المستويات السياسية والقانونية والاستراتيجية، كشفت وكالة رويترز عن دراسة الإدارة الأمريكية مقترحاً يقضي بتحويل جزء من أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة إلى جهة تُعرف بـ"مجلس السلام"، في خطوة أثارت ردود فعل واسعة، لا سيما بعد تأكيد مقررة أممية أن أي تحويل من هذا النوع يُعد مخالفاً للقانون الدولي والاتفاقات الناظمة للعلاقة المالية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
هذه التطورات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء مالي أو تقني، بل تمثل حلقة جديدة من حلقات الصراع على الشرعية السياسية الفلسطينية، ومحاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني من الخارج عبر أدوات الضغط الاقتصادي والمالي، في سياق إقليمي ودولي يتقاطع مع تداعيات الحرب على غزة، والأزمة الداخلية الفلسطينية، ومساعي فرض وقائع سياسية جديدة تتجاوز المؤسسات الوطنية القائمة.
تشكل أموال المقاصة العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني، وهي أموال ضرائب وجمارك تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الملحق باتفاقية اتفاقية أوسلو. وتمثل هذه الأموال ما يقارب ثلثي الإيرادات العامة الفلسطينية، ما يجعل أي اقتطاع أو احتجاز أو إعادة توجيه لها بمثابة تهديد مباشر لقدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب وتشغيل المؤسسات وتقديم الخدمات الأساسية.
وعلى مدار السنوات الماضية، استخدمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة هذه الأموال كسلاح سياسي، سواء عبر الاقتطاعات العقابية، أو التأخير في التحويل، أو ربط الإفراج عنها بشروط سياسية وأمنية. غير أن الحديث اليوم عن تحويلها إلى جسم بديل أو موازٍ للسلطة الفلسطينية يتجاوز مفهوم "العقوبات المالية" إلى مستوى أخطر يتعلق بمحاولة إعادة تعريف من يمثل الفلسطينيين ومن يدير شؤونهم.
اللافت في الطرح المتداول أنه يتزامن مع تصاعد الحديث داخل بعض الدوائر الأمريكية والإسرائيلية عن "اليوم التالي" في غزة، وعن ضرورة إيجاد هياكل محلية أو إقليمية لإدارة الفلسطينيين بعيداً عن القوى السياسية التقليدية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
ومن هنا، فإن فكرة تحويل أموال المقاصة إلى ما يسمى "مجلس السلام" لا تبدو إجراءً مالياً بريئاً، بل تحمل أبعاداً سياسية عميقة، أبرزها خلق أطر بديلة للشرعية الفلسطينية خارج مؤسسات النظام السياسي القائم، واستخدام الاقتصاد والتمويل لإعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني، وتقويض دور السلطة الفلسطينية وإضعاف قدرتها الوظيفية والإدارية، وصولاً إلى تكريس نموذج "الإدارة المدنية الموسعة" بدلاً من مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.
هذه المحاولات تعيد إلى الأذهان تجارب سابقة حاولت فيها إسرائيل الالتفاف على التمثيل الوطني الفلسطيني عبر مشاريع وروابط محلية بديلة، لكنها فشلت تاريخياً أمام تمسك الشعب الفلسطيني بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً له.
أما من الناحية القانونية، فإن تصريحات المقررة الأممية التي اعتبرت تحويل أموال الضرائب الفلسطينية إلى جهة أخرى أمراً غير قانوني تستند إلى أسس واضحة، لأن أموال المقاصة ليست مساعدات أو منحاً تقدمها إسرائيل أو الولايات المتحدة، وإنما أموال فلسطينية خالصة يتم تحصيلها نيابة عن السلطة الفلسطينية وفق اتفاقات موقعة وملزمة.
وبالتالي، فإن أي احتجاز تعسفي لهذه الأموال يمثل خرقاً للاتفاقيات الثنائية، وأي إعادة توجيه لها دون موافقة الطرف الفلسطيني الشرعي يُعد استيلاءً غير مشروع على أموال عامة، كما أن استخدام الأموال لأهداف سياسية أو لتغيير البنية التمثيلية الفلسطينية قد يرقى إلى مستوى العقوبات الجماعية المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن التحولات التي فرضتها الحرب على غزة، حيث تواجه الولايات المتحدة معضلة مزدوجة؛ فمن جهة هناك مخاوف من انهيار اقتصادي فلسطيني شامل قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في الضفة الغربية، ومن جهة أخرى توجد ضغوط إسرائيلية لإعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني بما يتلاءم مع ترتيبات "اليوم التالي".
وفي هذا السياق، يبدو أن بعض الدوائر الأمريكية والإسرائيلية تتعامل مع الملف المالي باعتباره أداة لإنتاج واقع سياسي جديد يقوم على سلطة فلسطينية ضعيفة ومحدودة الصلاحيات، وإدارات محلية مرتبطة بالتمويل الخارجي، مع إضعاف المرجعية الوطنية الجامعة.
وتنسجم هذه المقاربة مع رؤية اليمين الإسرائيلي، وخاصة التيارات المرتبطة بـ بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، والتي تقوم على رفض قيام دولة فلسطينية، وإضعاف السلطة الفلسطينية تدريجياً، وتوسيع الاستيطان، وتحويل الفلسطينيين إلى تجمعات إدارية وخدماتية منفصلة دون سيادة سياسية حقيقية.
الأخطر في هذه المرحلة أن الأزمة الخارجية تتقاطع مع أزمة داخلية فلسطينية تتعلق بتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات، واستمرار الانقسام السياسي، وضعف البنية الاقتصادية، وغياب استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الضغوط الدولية والإسرائيلية. وهذا ما يجعل أي محاولات خارجية لاختراق البنية الفلسطينية أكثر خطورة، خاصة إذا جرى استغلال الاحتياجات المعيشية والمالية لفرض ترتيبات سياسية جديدة.
إن مواجهة هذه التحديات تتطلب تحركاً فلسطينياً شاملاً على المستويات السياسية والقانونية والدبلوماسية، من خلال تدويل قضية أموال المقاصة، ورفض أي تصرف بها خارج الإطار القانوني، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الوطنية، والعمل على تقليل الارتهان الاقتصادي للاحتلال الإسرائيلي.
إن الحديث عن تحويل أموال الضرائب الفلسطينية إلى "مجلس السلام" ليس مجرد تفصيل مالي عابر، بل يعكس صراعاً عميقاً على مستقبل القضية الفلسطينية، وعلى طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وعلى من يمتلك حق تمثيل الشعب الفلسطيني.
فالاقتصاد لم يعد منفصلاً عن السياسة، بل أصبح أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا والشرعية والهوية الوطنية. وما يجري اليوم قد يكون مقدمة لمحاولات فرض نموذج فلسطيني جديد يقوم على الإدارة الاقتصادية والأمنية دون سيادة أو حقوق وطنية.
غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن محاولات تجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية أو صناعة بدائل مفروضة من الخارج غالباً ما تصطدم بحقيقة ثابتة، وهي أن الشرعية الوطنية لا تُشترى بالأموال، ولا تُفرض بقرارات مالية أو هندسات سياسية خارجية، بل تستمد قوتها من إرادة الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في الحرية وتقرير المصير.



