الاستدانة من المستقبل... قراءة موضوعية في مسار المالية العامة الفلسطينية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الاستدانة من المستقبل... قراءة موضوعية في مسار المالية العامة الفلسطينية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تصل المالية العامة الفلسطينية إلى ما هي عليه اليوم بين ليلة وضحاها، كما لا يمكن رد الأزمة إلى حكومة بعينها أو إلى ظرف سياسي واحد. فالواقع المالي الذي تعيشه السلطة الفلسطينية هو نتاج مسار طويل تداخلت فيه تداعيات الاحتلال الإسرائيلي مع اختلالات بنيوية في الاقتصاد الوطني، وتراجع الإصلاحات المالية، واستمرار الاعتماد على حلول قصيرة الأجل في مواجهة أزمات طويلة الأمد.
ومن أجل فهم المشهد الراهن بموضوعية، لا بد من قراءة تطور السياسات المالية الفلسطينية عبر مراحلها المختلفة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الانحيازات السياسية.
ففي مرحلة حكومة الدكتور سلام فياض، اتجهت السياسة المالية نحو إعادة بناء مؤسسات المالية العامة، وتعزيز الانضباط المالي، والعمل على تقليص العجز في الموازنة، والحد من نمو المديونية العامة، وإرساء قواعد أكثر شفافية في إدارة المال العام. وقد جاءت تلك السياسات في ظل اعتماد كبير على الدعم الخارجي، وفي بيئة اقتصادية مقيدة بفعل الاحتلال، الأمر الذي حال دون تحقيق تحول اقتصادي مستدام، رغم ما تحقق من إصلاحات مؤسسية وإدارية.
ومع تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة الدكتور رامي الحمد الله، استمر العمل على النهج الإصلاحي، مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار المالي، وضبط العجز، والحد من توسع المديونية، بما يضمن استدامة المالية العامة في ظل التراجع المستمر في المساعدات الخارجية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.
وشهدت تلك المرحلة اتخاذ عدد من الإجراءات التي هدفت إلى تعزيز الانضباط المالي، من بينها العمل على خفض العجز في الموازنة، وإعادة جزء من الأموال المستحقة لصندوق التقاعد، والمحافظة على سقف لفاتورة الرواتب والأجور، التي بقيت ضمن مستويات يمكن إدارتها مقارنة بالسنوات اللاحقة، وهو ما وفر قدراً من الاستقرار النسبي للمالية العامة، رغم استمرار الأزمات المرتبطة بالمقاصة والقيود الإسرائيلية.
كما طُرح قانون الضمان الاجتماعي باعتباره مشروعاً إصلاحياً استراتيجياً يهدف إلى بناء منظومة حماية اجتماعية مستدامة، وتعزيز حقوق العاملين، وتكوين مدخرات وطنية يمكن أن تسهم مستقبلاً في دعم الاستثمار والتنمية. ورغم الاعتراضات الواسعة التي رافقت القانون، والتي استوجبت مراجعة آليات تطبيقه، فإن الهدف الاقتصادي منه كان يتمثل في إيجاد ركيزة مالية واجتماعية طويلة الأمد، ولو جرى تطويره بالتوافق مع الشركاء الاجتماعيين، لكان من الممكن أن يشكل إحدى أدوات تعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، برزت خلال تلك المرحلة رؤية اقتصادية تقوم على توسيع آفاق التعاون الإقليمي، من خلال تعزيز الشراكات الاقتصادية مع الأردن ومصر والعراق، بما ينسجم مع المصالح الاقتصادية المشتركة، ويخفف من حدة التبعية الاقتصادية، ويفتح أسواقاً جديدة أمام الاقتصاد الفلسطيني. غير أن كثيراً من هذه المبادرات والاستراتيجيات لم تستثمر بالشكل الكافي، سواء بسبب المتغيرات السياسية والإقليمية، أو بفعل استمرار القيود التي فرضها الاحتلال على حركة الأشخاص والبضائع والاستثمار.
ومع تعاقب الحكومات، دخلت المالية العامة مرحلة أكثر تعقيداً، نتيجة تراجع الإيرادات، واحتجاز إسرائيل أجزاء متزايدة من أموال المقاصة، وارتفاع فاتورة النفقات الجارية، ولا سيما الرواتب والأجور، واتساع الالتزامات التشغيلية، مقابل غياب إصلاحات هيكلية موازية تعزز الإيرادات أو تخفض كلفة الإنفاق العام.
وأمام هذه التحديات، انتقلت السياسة المالية تدريجياً من معالجة الاختلالات البنيوية إلى إدارة السيولة الشهرية، وأصبح تأجيل الالتزامات، وإعادة جدولة المستحقات، والاعتماد على الإيرادات المستقبلية، من أبرز الأدوات المستخدمة لتغطية النفقات الجارية، وهو ما يمكن وصفه اقتصادياً بـ"الاستدانة من المستقبل".
فالاستدانة من المستقبل ليست مجرد اقتراض مالي، بل هي استهلاك مسبق للموارد المتوقعة، وترحيل للأعباء إلى السنوات المقبلة، بما يقلص قدرة الحكومات اللاحقة على إدارة المالية العامة بكفاءة، ويزيد من كلفة أي إصلاح مستقبلي.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال حقيقة أن الاقتصاد الفلسطيني يعمل في ظل احتلال يسيطر على المعابر والحدود والموارد الطبيعية، ويتحكم في حركة التجارة وأموال المقاصة، الأمر الذي يجعل أي سياسة مالية، مهما بلغت كفاءتها، تواجه قيوداً استثنائية لا تعاني منها الاقتصادات الطبيعية.
كما أن تقييم دور المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ينبغي أن يتم بموضوعية؛ فهذه المؤسسات تقدم توصيات تستند إلى مبادئ الانضباط المالي والاستدامة المالية، غير أن تطبيق هذه السياسات في الحالة الفلسطينية يواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في غياب السيادة الاقتصادية واستمرار الاحتلال، وهو ما يستدعي تكييف برامج الإصلاح مع خصوصية الواقع الفلسطيني، بحيث تجمع بين متطلبات الاستقرار المالي وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي.
إن الدرس الأهم الذي تفرضه التجربة الفلسطينية هو أن الإصلاح المالي لا يمكن أن يقتصر على إدارة النفقات أو معالجة أزمات السيولة، بل يجب أن يكون جزءاً من رؤية اقتصادية وطنية شاملة، تقوم على تنشيط الإنتاج، وتوسيع الاستثمار، وتعزيز الشراكات الاقتصادية العربية، وإعادة هيكلة الإنفاق العام، وتطوير مؤسسات الحماية الاجتماعية، والحفاظ على التوازن بين الانضباط المالي ومتطلبات التنمية.
فالاستقرار المالي لا يتحقق بالاستدانة من المستقبل، وإنما ببناء اقتصاد قادر على إنتاج موارده، وإدارة موارده بكفاءة، وحماية حقوق مواطنيه، وتعزيز صموده في مواجهة التحديات الاستثنائية التي يفرضها الاحتلال. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن يشكل أولوية للحكومة الفلسطينية في المرحلة المقبلة.



