الصمود الفلسطيني بين التنمية والتحرر الوطني
الصمود الفلسطيني بين التنمية والتحرر الوطني
رؤية استراتيجية لإعادة بناء المشروع الوطني في مواجهة الاحتلال
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
لم يكن مفهوم الصمود الفلسطيني في يوم من الأيام مجرد شعار سياسي أو عنوان لبرامج الإغاثة والتنمية، بل نشأ باعتباره جزءًا أصيلًا من مشروع التحرر الوطني الفلسطيني. فقد ارتبط منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي بثنائية واضحة لا يمكن الفصل بين عنصريها: الصمود والتصدي؛ فالصمود لم يكن هدفًا قائمًا بذاته، وإنما وسيلة لتعزيز قدرة الإنسان الفلسطيني على البقاء فوق أرضه، وحماية هويته الوطنية، ومواصلة نضاله المشروع في مواجهة الاحتلال والاستيطان حتى نيل الحرية والاستقلال.
غير أن هذا المفهوم شهد خلال العقود الثلاثة الماضية تحولًا جوهريًا، إذ انتقل تدريجيًا من كونه مفهومًا تحرريًا إلى مفهوم تنموي وإغاثي في أدبيات المؤسسات الدولية والجهات المانحة، التي باتت تنظر إلى الصمود بوصفه قدرة المجتمع الفلسطيني على التكيف مع آثار الاحتلال، لا باعتباره أداة لإنهائه. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى؛ إذ إن إدارة الأزمة لا يمكن أن تكون بديلًا عن معالجة أسبابها، كما أن تحسين الظروف المعيشية، رغم أهميته، لا يغني عن إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
لقد تجاوز حجم المساعدات الدولية المقدمة للفلسطينيين منذ إنشاء السلطة الفلسطينية عشرات المليارات من الدولارات، إلا أن هذه الموارد لم تنجح في بناء اقتصاد وطني مستقل أو تحقيق تنمية مستدامة، لأن الاحتلال الإسرائيلي ظل يسيطر على الأرض والمعابر والموارد الطبيعية وحركة التجارة والاستثمار، ويستخدم الاقتصاد أداةً من أدوات السيطرة السياسية. وبذلك بقي الاقتصاد الفلسطيني اقتصادًا مقيدًا، عاجزًا عن تحقيق النمو الطبيعي في ظل منظومة استعمارية تتحكم في مفاصل الحياة كافة.
واليوم، وفي ظل ما تشهده الأراضي الفلسطينية من حرب مدمرة على قطاع غزة، وتصعيد غير مسبوق للاستيطان والضم والتهجير القسري في الضفة الغربية والقدس، لم يعد الحديث عن الصمود ترفًا فكريًا، وإنما أصبح ضرورة وجودية تستوجب إعادة صياغة استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى رؤية سياسية واقتصادية وقانونية متكاملة.
إن هذه الاستراتيجية يجب أن تقوم على خمس ركائز رئيسية.
أولًا: حماية الأرض وتعزيز الوجود الفلسطيني.
تبقى الأرض جوهر الصراع، ولذلك فإن حماية الأراضي المهددة بالمصادرة والاستيطان تمثل الأولوية الوطنية. ويتطلب ذلك دعم المزارعين، واستصلاح الأراضي، وتطوير البنية الزراعية، وتوفير شبكات المياه والري، وتعزيز الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة، ودعم لجان الحراسة الشعبية لحماية القرى والتجمعات البدوية من اعتداءات المستوطنين، ضمن إطار قانوني ومجتمعي منظم يعزز صمود المواطنين ويحافظ على الوجود الفلسطيني.
ثانيًا: بناء اقتصاد الصمود والتحرر من التبعية.
لقد أثبتت التجربة أن التبعية الاقتصادية للاحتلال تمثل أحد أخطر أدوات السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني. ومن هنا فإن بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تحقيق الاكتفاء النسبي أصبح ضرورة استراتيجية، من خلال تشجيع الاستثمار في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع برامج التمويل الميسر للأسر المنتجة، وتشجيع استهلاك المنتج الوطني، بما يسهم في الحد من البطالة والفقر وتعزيز القدرة الاقتصادية للمجتمع الفلسطيني.
ثالثًا: تمكين المجتمع وتعزيز العدالة الاجتماعية.
لا يمكن الحديث عن الصمود في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقر واتساع الفجوة الاجتماعية. ولذلك فإن بناء منظومة حماية اجتماعية متكاملة، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتمكين المرأة والشباب، وإشراكهم في الحياة السياسية والاقتصادية، يمثل أحد أهم عناصر الأمن الوطني الفلسطيني، لأن المجتمع المتماسك يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة سياسات الاقتلاع والتهجير.
رابعًا: الإصلاح الوطني وإنهاء الانقسام.
لقد أثبتت التجربة أن استمرار الانقسام الفلسطيني استنزف الطاقات الوطنية وأضعف القدرة على مواجهة المشروع الاستيطاني. ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تفرض إطلاق مشروع إصلاح شامل يطال مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، ويعزز سيادة القانون واستقلال القضاء والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد، بالتوازي مع إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية والديمقراطية، باعتبارها المدخل الحقيقي لاستعادة ثقة المواطن وتعزيز الجبهة الداخلية.
كما أن تجاوز حالة الاستقطاب السياسي، ومعالجة الجراح الوطنية، وإعادة الاعتبار للحوار الوطني، أصبحت جميعها متطلبات لا غنى عنها في ظل التحديات المصيرية التي تواجه القضية الفلسطينية.
خامسًا: تدويل المواجهة القانونية والسياسية وتعزيز الحاضنة العربية والدولية.
لقد أصبحت المعركة القانونية والدبلوماسية إحدى أهم ساحات النضال الفلسطيني. ومن ثم فإن المطلوب هو بناء استراتيجية حقوقية متكاملة تستند إلى القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، ونظام روما الأساسي، بما يضمن ملاحقة جرائم الاحتلال ومساءلة المسؤولين عنها، وتعزيز الاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الاستثمار في تنامي التضامن الشعبي العالمي مع القضية الفلسطينية، خاصة بين الأجيال الشابة في أوروبا والأمريكيتين، عبر تطوير الخطاب الإعلامي والحقوقي، والاستفادة من وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في ترسيخ الرواية الفلسطينية وكشف انتهاكات الاحتلال أمام الرأي العام العالمي.
كما أن تعزيز العمق العربي للقضية الفلسطينية يظل عنصرًا أساسيًا في معادلة الصمود، فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا شأنًا فلسطينيًا فحسب، وإنما قضية عربية مركزية، الأمر الذي يستوجب تفعيل أطر العمل العربي المشترك، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني العربية، وبناء شراكات اقتصادية وثقافية وإعلامية داعمة لصمود الشعب الفلسطيني.
إن التجربة التاريخية تؤكد أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق تحت الاحتلال، كما أن الصمود لا يمكن أن يتحول إلى غاية دائمة، بل يبقى وسيلة مؤقتة حتى زوال الأسباب التي فرضته. ولذلك فإن إعادة الاعتبار للعلاقة العضوية بين التنمية والصمود والتحرر الوطني تمثل اليوم المدخل الحقيقي لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني.
إن الشعب الفلسطيني لا يطالب بالمساعدات الإنسانية بقدر ما يطالب بتطبيق قواعد القانون الدولي وإنهاء الاحتلال وتمكينه من ممارسة حقوقه المشروعة. ومن هنا فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على تمويل برامج الإغاثة والتنمية، وإنما تمتد إلى إلزام القوة القائمة بالاحتلال بتنفيذ التزاماتها القانونية، ووضع حد لسياسات الاستيطان والضم والعقاب الجماعي والتهجير القسري التي تقوض فرص السلام والاستقرار في المنطقة.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الفلسطينيين، بقيادتهم ومؤسساتهم وقواهم الوطنية ومجتمعهم المدني، على تحويل الصمود من حالة دفاعية إلى مشروع وطني شامل يعيد بناء الإنسان والاقتصاد والمؤسسات، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون عنوانها: تنمية من أجل التحرر، وصمود من أجل الحرية، ووحدة وطنية من أجل الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق الشرعية الدولية ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.



