هندسة الواقع: كيف تصنع كلماتك وانحيازاتك العالم الذي تعيش فيه؟
كيف تؤثر هندسة الواقع على موضوعية النقد؟ انموذجا
هندسة الواقع: كيف تصنع كلماتك وانحيازاتك العالم الذي تعيش فيه؟
كيف تؤثر هندسة الواقع على موضوعية النقد؟ انموذجا
محمد قاروط أبو رحمه
منذ قرون طويلة، لخصت الحكمة التراثية التي قالها الامام على رضي الله عنه، فكرة مهمة في أربع كلمات فقط: البلاء موكل بالمنطق. هذه العبارة لم تكن مجرد نصيحة لضبط اللسان، بل كانت كشفاً مبكراً لآلية عمل العقل البشري. فما تنطق به ليس مجرد حبر على ورق أو هواء يخرج من فمك، بل هو المخطط الهندسي الذي تبني به واقعك لاحقاً.
في العصر الحديث، جاء علم النفس ليعيد صياغة هذه الحكمة بمصطلحات علمية دقيقة، وعلى رأسها الانحياز التأكيدي. هذا الانحياز هو التفسير العلمي المباشر للقاعدة الإنسانية الشهيرة: أنت ترى ما تريد أن ترى.
المسألة تبدأ من الداخل؛ فعقلك لا يتعامل مع الواقع الخارجي بحياد ككاميرا التصوير، بل يتصرف كـ مصفاة ذكية ومتحيزة. عندما تتبنى فكرة، أو تطلق حكماً، أو تنطق بكلمة (المنطق)، فإنك تُعطي عقلك أمراً غير مباشر بالبحث عن كل ما يدعم هذا التوجه. هنا يتجلى مفهوم أن الإدراك اختياري؛ فنحن لا نرى العالم كما هو في الحقيقة، بل نختار (وعياً أو لا وعياً) الأجزاء التي تتماشى مع معتقداتنا ومخاوفنا ونركز عليها، بينما نتجاهل تماماً أي أدلة تعاكسها.
إذا دمجنا هذه الدائرة معاً، سنجد رابطاً مذهلاً:
1. المنطق (الكلمة والتوقع): تبدأ بقولك: أنا دائماً سيء الحظ، والامور لن تسير بشكل جيد.
2. الادراك الاختياري: يبدأ عقلك بتوجيه انتباهه فقط نحو التعطيلات، والمشاكل، والوجوه العابسة في يومك، متجاهلاً الفرص أو التيسيرات.
3. الانحياز التأكيدي: يفسر عقلك أي حدث محايد أو بسيط على أنه دليل قاطع على صدق فرضيتك الأولى (أنت ترى ما تريد أن ترى).
4. وقوع البلاء: النتيجة الحتمية هي أنك تتصرف بناءً على هذا الإدراك المشوه، فتصنع الفشل بيدك، ليتحقق البلاء الذي وكلته بنطقك في البداية.
إن إدراكنا ليس نافذة مفتوحة على الحقيقة، بل هو مرآة تعكس ما يدور في أعماقنا. ومن يعش أسيراً لمخاوفه وكلماته السلبية، سيبني بيديه سجناً من الأحداث السيئة ويدّعي أنه الواقع.
الحقيقة ببساطة هي: أنت لا تجد العالم الذي تبحث عنه، بل تصنع العالم الذي تتحدث عنه وتتوقعه.
كيف تؤثر هندسة الواقع على موضوعية النقد؟
إن النقد في جوهره وجد ليكون أداة تقويم وتفكيك عقلانية تسعى للكشف عن مكامن القوة والضعف في أي نتاج إنساني، سواء كان فكرياً، سياسياً، أو فنياً. غير أن هذه العملية المعرفية غالباً ما تقع ضحية لآلية نفسية وفكرية معقدة تُعرف بـهندسة الواقع. عندما يقوم الإنسان بصناعة نسخته الخاصة من الحقيقة وإسقاطها على المشهد المحيط به، يفقد النقد مبرر وجوده الأول وهو الموضوعية، وتتحول قراءة الواقع إلى مجرد مرآة تعكس رغبات الناقد وانحيازاته.
أولاً: هندسة الواقع عبر المنطق (التوقع المسبق)
تبدأ عملية تشويه النقد قبل ملامسة العمل المراد نقده؛ حيث تتشكل في عقل الناقد فرضية مبدئية أو حكم مسبق يصوغه في قالب منطقي خاص به. هذا التوقع المسبق يمثل حجر الأساس في هندسة الواقع؛ إذ يدخل الناقد غمار التجربة النقدية لا ليكتشف الحقيقة، بل ليثبت صحة المنطق الذي تبناه سلفاً، مما يجعل الفكرة السابقة موجِّهاً أعلى لكل ما سيتلوها من قراءات.
ثانياً: الإدراك الاختياري (أنت ترى ما تريد أن ترى)
عندما يبدأ الناقد في معاينة المادة الفكرية أو السياسية، تتدخل مصفاة الإدراك الاختياري. العقل البشري بطبيعته يميل إلى تجنب الجهد المعرفي المبذول في استيعاب التناقضات، فيقوم لا شعورياً بتوجيه كشاف انتباهه نحو تفاصيل محددة تتوافق مع هندسته الخاصة للواقع، بينما يعمي بصره تماماً عن الأركان والمعطيات التي قد تخلخل فرضياته؛ فالإنسان في نهاية المطاف لا يرى الواقع كما هو، بل يرى منه ما يخدم رغبته في أن يكون محقاً.
ثالثاً: الانحياز التأكيدي (توثيق الفرضية)
لا يتوقف الأمر عند حدود الرؤية الانتقائية، بل يمتد إلى كيفية التعامل مع المعطيات المرئية؛ وهنا يأتي دور الانحياز التأكيدي كأداة لتوثيق الفرضية الأولى. يبدأ الناقد بجمع الشواهد والأدلة التي التقطها إدراكه الاختياري، ويقوم بتضخيمها ومنحها ثقلاً معرفياً مبالغاً فيه، معتبراً إياها براهين قاطعة لا تقبل الشك على صحة حكمه المسبق، وهو ما يمنحه شعوراً زائفاً بالنزاهة العلمية والموضوعية.
رابعاً: غياب الحياد وتحول النقد إلى (حكم مسبق)
بفعل الترابط بين التوقع المسبق والانحياز التأكيدي، ينهار ركن الحياد تماماً؛ فيتحول النقد من عملية استكشافية تالية لقراءة العمل، إلى حكم مسبق سابق عليه. الناقد في هذه الحالة يعيد إنتاج أفكاره القديمة فقط؛ فهو لا يقيم النص أو الموقف السياسي بناءً على معاييره الذاتية المستقلة، بل يستخدم النص مجرد تكأة ومبرر خارجي لتمرير حكم صاغه وأصدره في عقله قبل العرض بكثير.
خامساً: الانتقائية في محاكمة الأدلة
تتجلى هندسة الواقع بوضوح في غياب العدالة المعرفية أثناء تفكيك الأطروحات؛ حيث يمارس الناقد انتقائية حادة في محاكمة الأدلة. فإذا واجه دليلاً قوياً يدعم وجهة نظر خصمه الفكري أو السياسي، فإنه إما يتجاهله تماماً، أو يؤول سياقه ليخرجه من معناه الحقيقي، أو يفتش له عن أصغر هفوة لإسقاط اعتباره. وفي المقابل، يتم التعامل مع أبسط الهفوات في معسكر الخصم على أنها خطيئة كبرى وتدمير شامل للأطروحة من جذورها.
سادساً: صناعة البلاء (النقد الهدام)
انطلاقاً من الحكمة البلاء موكل بالمنطق، فإن الناقد الذي يهندس واقعاً سوداوياً تجاه فكرة أو مشروع ما، ينتهي به الأمر إلى صناعة هذا البلاء بلسانه وقلمه عبر النقد الهدام. هذا النوع من النقد لا يسعى للبناء أو التقويم، بل يهدف إلى الهدم والإقصاء وتشويه السمعة المعرفية للآخر. وبدلاً من أن يكون النقد وسيلة لإنارة العقول وتطوير الأفكار، يتحول إلى أداة لتعزيز الاستقطاب ونشر العقم الفكري والسياسي.
خاتمة: هندسة الواقع تجعل الناقد يرى (رغبة) لا (حقيقة)
إن الخلاصة الجوهرية لهندسة الواقع هي أنها تسلب الناقد أثمن ما يملك: القدرة على ملامسة الحقيقة. إنها تجعل الناقد يرى رغبته الخاصة، ومخاوفه، وأوهامه الأيديولوجية متمثلة أمامه، ظاناً أنه يقرأ الحقيقة المجردة. وعندما يصبح النقد مرآة لرغبات الناقد بدلاً من أن يكون عدسة كاشفة للواقع، يفقد قيمته المعرفية والأخلاقية، ويتحول الفضاء الفكري والسياسي إلى ساحة مغلقة لغرف الصدى والإنكار المتبادل.



