هل مؤتمر فتح الثامن فرصة لإعادة بناء الحركة ، أم تكريس للأزمة القائمة؟
د . مروان إميل طوباسي .
هل مؤتمر فتح الثامن فرصة لإعادة بناء الحركة ، أم تكريس للأزمة القائمة؟
* د . مروان إميل طوباسي .
يثار كثير من التساؤلات حول المخرجات المتوقعة لمؤتمر حركة “فتح” الثامن ، لكن القراءة الواقعية تشير إلى أن النتائج غالباً ما تكون امتداداً للمقدمات والمُدخلات . وإذا كانت المؤشرات الأولية تعكس طبيعة التمثيل وآليات الأختيار لعضوية المؤتمر التي نفذتها اللجنة التحضيرية للمؤتمر ، فإن القلق المشروع يتمثل في أن يتحول المؤتمر إلى محطة لإعادة إنتاج موازين القوى ذاتها ، بدلاً من أن يكون فرصة لإحداث مراجعة بنيوية حقيقية .
فبعض الأسماء المتداولة ضمن قوائم المدعوين التي تم نشرها دون مبرر لذلك ، لا تمتلك حضوراً تنظيمياً أو نضالياً واضحاً ، بل برزت في سياقات مرتبطة برعاية مراكز نفوذ سياسية أو أمنية أو إقتصادية أو تنظيمية . وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً ، هل نحن أمام عملية تنظيمية تعزز التمثيل الحقيقي ، أم أمام تكريس لمعادلة السيطرة والنفوذ ؟ ففي الحالة الثانية ، فإن أي حديث عن إصلاح أوتطوير أو تغيير أو أستنهاض بنيوي يفقد معناه .
في السياق ذاته ، لا يمكن تجاهل تغييب العديد من القيادات التي ساهمت بالعمل التنظيمي والسياسي والجماهيري والبناء المؤسسي منذ بدايات الأحتلال وحتى اليوم وخاصة بالأنتفاضة الكبرى وبناء مؤسسات الدولة العتيدة ، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع مواقف كل هؤلاء . إلا أن ذلك يعكس أزمة ثقة داخلية عميقة ، ويطرح سؤالاً حول جدوى المؤتمر إذا لم يكن قادراً على استيعاب التعددية داخل الحركة واعتماد آليات تمثيل حقيقية للمواقع والقطاعات .
لكن الإشكالية الأعمق تتجاوز الإطار التنظيمي الداخلي ، لتصل إلى العلاقة بين “فتح” ومجتمعنا الفلسطيني . فكيف يمكن إقناع المواطن الفلسطيني اليوم ، الذي يواجه يومياً تبعات وجرائم الأحتلال الأستيطانية والاقتصادية والأمنية ، وفي صعود أرقام البطالة وعدم اكتمال الرواتب وارتفاع نسبة الفقر ، بأهمية هذا المؤتمر ؟ وكيف يمكن لمن يعيش تحت وطأة تداعيات عدوان الإبادة في غزة ، أو تحت الضغط والإبادة المكانية في الضفة والقدس وفي مخيمات الشتات ، أن يرى في هذا الحراك السياسي المتمثل باستحقاق المؤتمر الثامن ما يعبر عن أولوياته وفي وضع الحلول والبرامج لإنهاء الأحتلال اولاً ؟
من هنا ، يبرز مفهوم “العقد التنظيمي الجديد” الذي أشرت له في مقالي السابق ، كطرح نظري مهم ، لكنه يظل بحاجة إلى ترجمة عملية يقررها المؤتمر . فالإصلاح والتطوير لا يتحقق بالشعارات ، بل بآليات واضحة تضمن تجسيد الديمقراطية والمشاركة والمساءلة وتجديد النخب على أسس الكفاءة والنضال والتجربة والمعرفة في مختلف قطاعات المقاومة السياسية والشعبية .
كما أن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بإمكانية الفصل بين “فتح” كحركة تحرر وطني وبين السلطة الوطنية كأداة في تنفيذ المشروع الوطني دون ان تكون بديلاً عن مشروع التحرر . فالتشابك البنيوي القائم منذ اتفاق "أوسلو" يجعل هذا الفصل معقداً ، إن لم يكن مستحيلاً دون إعادة تعريف شاملة للصراع مع الأحتلال وللمشروع الصهيوني وللدور السياسي الكفاحي للحركة . فهل تستطيع “فتح” استعادة دورها التحرري في ظل التزامات السلطة الوطنية وفي غياب تعريف واضح للمشروع الوطني وأدواته العملية ؟ أم أن هذه الالتزامات ستبقى قيداً على أي تحول استراتيجي ؟
إضافة إلى ذلك ، فإن تحقيق الديمقراطية الداخلية يصطدم بواقع ما تبقى من مراكز القوى التاريخية بعد رحيل وأستشهاد معظم القيادة التاريخية من المؤسسين والفدائين الأوائل وبتنامي الجديد من مراكز النفوذ الناشئة ، ما يجعل أي محاولة للإصلاح والتطوير والأستنهاض عرضة للاحتكاك الداخلي دون منهج ديمقراطي ومشاركة واسعة في صناعة القرار وتفعيل هيئات الحركة من المجلس الثوري والأستشاري والمجالس الحركية العامة . وهنا ، فإن إعادة بناء الثقة بين القاعدة والقيادة لا يمكن أن تتم دون مراجعة نقدية أعمق للمشروع السياسي ذاته ، وليس فقط للأدوات التنظيمية او اشكال البناء التنظيمي التي لا يجب ان تبقى في حالة الجمود دون ابداع بأشكال جديدة شبكية وافقية تخدم استيعاب الكُل الفتحاوي واهمية اقترابه من جماهير شعبنا ، فالإصلاح الداخلي لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام .
وأخيراً ، فإن أي نقاش داخلي في “فتح” يجب ألا ينفصل عن التحولات الكبرى التي شهدتها الساحة الفلسطينية ، وكذلك عن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة . فالحركة ليست كياناً معزولاً ، بل فاعل مركزي في بيئة سياسية متحركة ، ما يفرض عليها إعادة قراءة دورها في ضوء هذه التحولات .
في ضوء كل ذلك ، يبقى السؤال المفتوح ، هل سيكون المؤتمر الثامن لحظة مراجعة حقيقية تعيد لـِ “فتح” دورها القيادي للحركة الوطنية الفلسطينية ولممثل شعبنا منظمة التحرير ، أم مجرد محطة جديدة في مسار إدارة الأزمة ؟
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح "



