انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني .. بين أزمة التمثيل وسؤال التحرر الشامل.
بقلم: سهيل السلمان
انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني ..
بين أزمة التمثيل وسؤال التحرر الشامل.
بقلم: سهيل السلمان
عندما تتحول الانتخابات إلى سؤال عن مصير الحركة الوطنية.
كلما طُرحت قضية انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني عاد الجدل إلى الواجهة.. هل يمكن للانتخابات أن تعيد الشرعية إلى المؤسسات الفلسطينية؟ هل تشكل مدخلاً لإنهاء الانقسام؟ وهل تستطيع ضخ دماء جديدة في شرايين منظمة التحرير الفلسطينية؟
غير أن هذه الأسئلة على أهميتها تبقى أسئلة سطحية إذا ما قورنت بالسؤال الأعمق الذي يفرض نفسه على الواقع الفلسطيني اليوم.. ما المشروع التاريخي الذي يفترض أن تخدمه هذه الانتخابات؟
فالقضية ليست صندوق اقتراع ولا توزيع مقاعد ولا تجديد هيئات قيادية فحسب. القضية تتعلق بطبيعة الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها وبالقوى الاجتماعية التي تمثلها وبالدور الذي يفترض أن تؤديه في معركة التحرر الممتدة منذ أكثر من قرن.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي.. هل ستعيد الانتخابات إنتاج البنية السياسية القائمة أم ستفتح الباب أمام إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة؟ وهل ستعبر عن مصالح الأغلبية الشعبية أم ستكرس موازين القوى التي أنتجت الأزمة الحالية؟
فلسطين.. حين يتداخل الوطني والاجتماعي في معركة واحدة.
في معظم التجارب التي تناولها الفكر الماركسي الكلاسيكي كان الصراع يدور داخل إطار دولة قائمة حيث تتجسد الهيمنة عبر مؤسسات الدولة وأجهزتها.
أما في فلسطين، فالمشهد أكثر تعقيداً بكثير.
فالشعب الفلسطيني لا يعيش في ظل دولة وطنية مكتملة السيادة يمكن مساءلتها أو تغييرها عبر الآليات التقليدية بل يعيش تحت نظام استعماري استيطاني يسعى بصورة منهجية إلى منع تشكل السيادة الوطنية نفسها وإلى تفكيك وحدة الشعب والأرض والهوية.
لكن الاستعمار الاستيطاني لا يهيمن على الجغرافيا فقط بل يتغلغل في الاقتصاد والمجتمع والحياة اليومية. فهو يحدد شروط العمل والإنتاج ويتحكم بحركة البشر والبضائع ويعيد رسم خرائط التنمية والتهميش ويصوغ علاقات التبعية التي تحكم الاقتصاد الفلسطيني.
وبذلك يصبح الاحتلال منتجاً دائماً للتفاوتات الاجتماعية وليس مجرد قوة خارجية تسيطر على الأرض.
ولهذا لا يمكن النظر إلى التناقض الوطني والتناقض الاجتماعي باعتبارهما مسارين منفصلين.. فهما وجهان لعملية تاريخية واحدة يتداخل كل منهما مع الآخر ويعيد تشكيله باستمرار.
وهم المرحلتين.. التحرير أولاً والعدالة لاحقاً
أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في تاريخ حركات التحرر الوطني كان الاعتقاد بإمكانية الفصل بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي.
فقد جرى الترويج طويلاً لفكرة تقول إن الاستقلال السياسي يجب أن يسبق كل شيء وإن قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الفئات الشعبية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التحرير.
لكن التجربة التاريخية أثبتت أن هذا الفصل ليس سوى وهم سياسي.
فكم من حركات تحرر انتصرت على الاستعمار لتكتشف لاحقاً أن الهيمنة عادت بأسماء جديدة وأن النخب البيروقراطية أو البرجوازيات التابعة ورثت مواقع السلطة دون أن يتغير جوهر العلاقات الاجتماعية القائمة.
في المقابل فإن أي مشروع اجتماعي يتجاهل واقع الاستعمار يفقد قدرته على فهم التناقض الأساسي الذي يحدد شروط تطور المجتمع نفسه.
وفي الحالة الفلسطينية تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً من أي مكان آخر.
فالعمال والعاطلون عن العمل والفلاحون واللاجئون والنساء والشباب، لا يخوضون معركة منفصلة عن معركة التحرر الوطني. إنهم يشكلون قاعدتها الحقيقية وقوتها المحركة.
لهذا فإن الجماهير لا تنخرط في النضال الوطني بوصفه شعاراً مجرداً بل لأنها ترى فيه طريقاً لتحسين شروط حياتها ومستقبلها وكرامتها الإنسانية.
أزمة المجلس الوطني..أزمة شرعية أم أزمة مشروع؟
يُختزل النقاش غالباً في أزمة الشرعية التمثيلية للمجلس الوطني الفلسطيني وكأن المشكلة تكمن فقط في تأجيل الانتخابات أو غياب التداول الديمقراطي.
غير أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير.
إنها أزمة المشروع الوطني ذاته.
فمنظمة التحرير الفلسطينية لم تستمد مكانتها التاريخية من كونها مؤسسة تمثيلية فقط بل من قدرتها على تجسيد وحدة الشعب الفلسطيني وربط قضية التحرر الوطني بقضايا اللاجئين والعمال والطلاب والمرأة والحركة الجماهيرية الواسعة.
لكن التحولات التي أعقبت اتفاق أوسلو دفعت تدريجياً نحو انتقال مركز الثقل من حركة تحرر وطني إلى بنية مؤسساتية مقيدة بشبكات معقدة من الالتزامات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومع هذا التحول تراجعت الحيوية الجماهيرية وضعفت الأطر الشعبية واتسعت المسافة بين المؤسسات الرسمية وقواعدها الاجتماعية.
لذلك فإن أزمة المجلس الوطني ليست مجرد أزمة تمثيل ناقص بل أزمة علاقة متصدعة بين المؤسسة السياسية والشعب الذي يفترض أن تمثله.
الديمقراطية بين الشكل والمضمون..
من السهل النظر إلى الانتخابات بوصفها الحل السحري لكل الأزمات السياسية.
لكن الديمقراطية في معناها العميق لا تختزل في يوم الاقتراع.
فالتصويت وحده لا يضمن المشاركة الفعلية ولا يضمن توازن الفرص ولا يضمن قدرة الجماهير على التأثير في القرار السياسي.
وفي الحالة الفلسطينية تزداد المسألة تعقيداً بسبب جملة من العوامل البنيوية..
استمرار الاحتلال وسيطرته على المجال العام.
غياب السيادة الوطنية.
الانقسام الجغرافي والسياسي.
تفاوت إمكانيات التنظيم والتمويل.
تهميش قطاعات واسعة من اللاجئين والشتات.
ضعف المؤسسات الجماهيرية والنقابية.
لذلك قد تنتج الانتخابات تمثيلاً شكلياً دون أن تنتج تغييراً حقيقياً في موازين القوى.
وهنا تكمن خطورة الاعتقاد بأن إعادة ترتيب المقاعد كافية لإعادة ترتيب الواقع.
أين تكمن السلطة فعلاً؟
السؤال الليبرالي التقليدي هو.. من يمثل الشعب؟
أما السؤال الأكثر جوهرية فهو.. من يمتلك القدرة الفعلية على تقرير مصير الشعب؟
في الحالة الفلسطينية لا تتمركز السلطة في مؤسسة واحدة بل تتوزع بين منظومة استعمارية معقدة تتشابك فيها أدوات السيطرة العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية.
فالاحتلال يسيطر على الأرض والموارد والحدود..فيما تتحكم شبكات النفوذ المحلية والإقليمية والدولية بجزء مهم من القرار الاقتصادي والسياسي إلى جانب البنى البيروقراطية القائمة.
لهذا لا يكتسب المجلس الوطني أهميته من عدد مقاعده أو حجم تمثيله فقط بل من قدرته على المساهمة في بناء ميزان قوى جديد يعيد الاعتبار لدور الشعب نفسه بوصفه الفاعل الرئيسي في معركة التحرر.
من المجتمع تبدأ معركة التحرر
القوة الحقيقية لأي مشروع وطني لا تولد داخل قاعات الاجتماعات وحدها.
إنها تتشكل في مواقع العمل والإنتاج وفي النقابات والاتحادات المهنية وفي الجامعات والحركات الطلابية وفي مخيمات اللاجئين وفي مؤسسات المرأة والشباب وفي المبادرات الثقافية والإعلامية المستقلة وفي كل مساحة يشارك فيها الناس بتنظيم حياتهم والدفاع عن مصالحهم.
هناك، في قلب المجتمع تتكون الكتلة التاريخية القادرة على حمل مشروع التحرر.
أما المؤسسات السياسية فلا تستمد شرعيتها إلا بقدر ما تعبر عن هذه القوى الحية وتستند إليها.
من انتخابات المجلس الوطني إلى إعادة تأسيس الحركة الوطنية.
إن اختزال النقاش في سؤال الانتخابات أو المقاطعة يضيع جوهر القضية.
فالتحدي الحقيقي يتمثل في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة تجمع بين..
التحرر الوطني من الاستعمار الاستيطاني.
العدالة الاجتماعية ومقاومة التبعية الاقتصادية.
الديمقراطية الشعبية والمشاركة الفعلية للجماهير.
وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
إحياء المؤسسات الجماهيرية والنقابية والشعبية.
فالانتخابات ليست بديلاً عن المشروع الوطني كما أن مقاطعتها ليست مشروعاً بحد ذاتها.
إن قيمتها الحقيقية تتحدد بمدى مساهمتها في إعادة بناء حركة تحرر وطنية ديمقراطية وجماهيرية قادرة على وصل ما انقطع بين القضية الوطنية والقضية الاجتماعية.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه القوى الوطنية والتقدمية الفلسطينية اليوم ليس هل نجري الانتخابات أم نقاطعها؟
بل كيف نحول معركة إعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني إلى جزء من عملية تاريخية أوسع تعيد توحيد الشعب الفلسطيني وتجدد مؤسساته الكفاحية وتؤسس لعلاقة عضوية بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي بحيث يصبح كل منهما شرطاً لنجاح الآخر وأفقاً لا يمكن بلوغه إلا معاً.



