نقابة الأطباء تُصعّد احتجاجاتها: هل يقف القطاع الصحي الفلسطيني على أعتاب أزمة غير مسبوقة؟

إعداد: المحامي علي أبو حبلة

يونيو 7, 2026 - 08:50
نقابة الأطباء تُصعّد احتجاجاتها: هل يقف القطاع الصحي الفلسطيني على أعتاب أزمة غير مسبوقة؟

نقابة الأطباء تُصعّد احتجاجاتها: هل يقف القطاع الصحي الفلسطيني على أعتاب أزمة غير مسبوقة؟
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
في تطور يُعد من أخطر المؤشرات على عمق الأزمة التي يعيشها القطاع الصحي الفلسطيني، أعلنت نقابة الأطباء – مركز القدس، في بيان رسمي صدر بتاريخ 9/5/2026، سلسلة إجراءات تصعيدية تحت شعار "راتب كامل مقابل دوام كامل"، محمّلة الحكومة المسؤولية الكاملة عن التدهور الذي آلت إليه الأوضاع الصحية والمالية والإدارية في القطاع الصحي الحكومي.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يشهد فيه النظام الصحي الفلسطيني ضغوطاً متراكمة نتيجة الأزمة المالية المزمنة، وتراجع الإيرادات العامة، واحتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، وارتفاع حجم المديونية الحكومية، إضافة إلى التداعيات المستمرة للإجراءات الإسرائيلية على الأرض، والتي أثرت بشكل مباشر على قدرة المؤسسات الصحية على تقديم الخدمات للمواطنين.
ماذا تضمن بيان نقابة الأطباء؟
بحسب البيان، قرر مجلس النقابة اتخاذ جملة من الإجراءات أبرزها:
إغلاق مراكز الرعاية الصحية الأولية التابعة للحكومة.
الاكتفاء بالحالات الطارئة والمنقذة للحياة في المستشفيات الحكومية.
الامتناع عن المشاركة في اللجان والأنشطة الوزارية.
عدم التوجه إلى مباني وزارة الصحة في نابلس ورام الله.
الترتيب لاعتصام مركزي للأطباء أمام رئاسة الوزراء.
استثناء بعض التخصصات الحساسة مثل أمراض الكلى والأورام وأمراض الدم والولادة.
وتؤكد هذه الإجراءات أن النقابة تسعى إلى إيصال رسالة احتجاج قوية دون الوصول إلى الإغلاق الكامل للخدمات المنقذة للحياة، في محاولة لتحقيق توازن بين الدفاع عن حقوق الأطباء وحماية المرضى.
خلفيات الأزمة: تراكمات مالية وإدارية
لا يمكن قراءة بيان النقابة بمعزل عن الأزمة الهيكلية التي يعاني منها القطاع الصحي الفلسطيني منذ سنوات.
فوزارة الصحة تواجه تحديات متشابكة تتمثل في:
أولاً: أزمة الرواتب
يعاني الموظفون العموميون، بمن فيهم الأطباء والعاملون في القطاع الصحي، من سياسة صرف الرواتب المجزأة أو المتأخرة نتيجة الأزمة المالية الحكومية، وهو ما انعكس على الاستقرار المعيشي للكادر الطبي.
وتؤكد النقابة أن استمرار العمل بدوام كامل مقابل رواتب منقوصة أو غير منتظمة أصبح أمراً غير مقبول مهنياً وإنسانياً.
ثانياً: نقص الأدوية والمستهلكات الطبية
تشهد المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية نقصاً متزايداً في الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية، ما ينعكس على جودة الخدمات العلاجية ويؤثر على قدرة الأطباء على أداء واجباتهم المهنية.
وفي العديد من المرافق الصحية أصبح الأطباء يواجهون معضلة أخلاقية ومهنية تتمثل في تحمل مسؤولية علاج المرضى دون توفر الإمكانيات اللازمة للعلاج.
ثالثاً: النقص في الكوادر الطبية
تعاني المستشفيات الحكومية من نقص في الأطباء الاختصاصيين والكوادر التمريضية والفنية، نتيجة الهجرة والاستقالات والتقاعد وعدم القدرة على استقطاب كفاءات جديدة ضمن الظروف المالية الحالية.
المديونية المتفاقمة: الخطر الصامت
من أخطر جوانب الأزمة الحالية ما يتعلق بالمديونية الحكومية المتراكمة تجاه القطاع الصحي الخاص.
فالحكومة الفلسطينية مدينة بمبالغ كبيرة لـ:
المستشفيات الخاصة.
المستشفيات الأهلية والخيرية.
موردي الأدوية.
شركات المعدات والمستلزمات الطبية.
المختبرات ومراكز الأشعة المتعاقدة.
وقد دفعت هذه المديونية العديد من المستشفيات الخاصة إلى التحذير من عدم قدرتها على الاستمرار في استقبال التحويلات الطبية الحكومية، الأمر الذي يهدد بانهيار أحد أهم صمامات الأمان التي يعتمد عليها النظام الصحي الفلسطيني.
وفي حال توقف هذه المؤسسات عن استقبال المرضى المحولين من وزارة الصحة، فإن المستشفيات الحكومية ستواجه ضغطاً يفوق طاقتها التشغيلية الحالية.
التأثير على المرضى والمواطنين
الضحية الأولى لأي أزمة صحية تبقى المواطن الفلسطيني.
فالقرارات الاحتجاجية ستؤدي إلى:
تقليص خدمات الرعاية الأولية.
زيادة أوقات الانتظار.
ارتفاع الضغط على أقسام الطوارئ.
تأجيل بعض العمليات والإجراءات الطبية.
صعوبة حصول المرضى المزمنين على الخدمات المنتظمة.
وتزداد الخطورة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، مثل:
كبار السن.
مرضى السرطان.
مرضى الكلى.
مرضى القلب.
الأطفال.
النساء الحوامل.
ورغم استثناء بعض هذه الفئات من الإجراءات النقابية، إلا أن أي اضطراب في النظام الصحي ينعكس بشكل غير مباشر على جميع المرضى.
البعد الاستراتيجي: أزمة نظام وليست أزمة رواتب فقط
النظر إلى الأزمة باعتبارها مجرد خلاف نقابي حول الرواتب يُعد تبسيطاً مخلّاً للواقع.
فالمشهد يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام الصحي الفلسطيني على الصمود والاستمرار.
ومن أبرز المؤشرات الخطيرة:
1. تآكل البنية التشغيلية
تراجع القدرة على شراء الأدوية والمستلزمات.
2. هجرة الكفاءات
تزايد هجرة الأطباء والاختصاصيين نحو الخارج أو القطاع الخاص.
3. تراجع الثقة
انخفاض ثقة المواطنين بالخدمات الصحية الحكومية.
4. ارتفاع كلفة العلاج
اضطرار المرضى للجوء إلى القطاع الخاص أو العلاج خارج فلسطين.
5. تهديد الأمن الصحي الوطني
إضعاف قدرة النظام الصحي على التعامل مع الكوارث والأزمات والطوارئ الجماعية.
المسؤولية الحكومية والمسؤولية الوطنية
من الناحية القانونية والإدارية، تقع على الحكومة مسؤولية ضمان الحق في الصحة باعتباره حقاً أساسياً كفلته القوانين الفلسطينية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
لكن معالجة الأزمة تتطلب أيضاً مقاربة وطنية شاملة تشمل:
وضع خطة إنقاذ عاجلة للقطاع الصحي.
جدولة الديون المستحقة للمستشفيات الخاصة وموردي الأدوية.
ضمان انتظام صرف رواتب العاملين الصحيين.
تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
مكافحة الهدر المالي والإداري.
إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام بما يحمي الخدمات الأساسية.
السيناريوهات المحتملة
إذا استمرت الأزمة دون حلول جدية، فإن القطاع الصحي قد يتجه نحو أحد ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: الاحتواء السريع
التوصل إلى تفاهمات بين الحكومة ونقابة الأطباء بما يضمن استمرار الخدمات الصحية ويخفف من حدة الاحتجاجات.
السيناريو الثاني: التصعيد التدريجي
استمرار الإجراءات الاحتجاجية واتساعها لتشمل قطاعات صحية أخرى، ما يؤدي إلى تراجع إضافي في مستوى الخدمات.
السيناريو الثالث: الأزمة الشاملة
وهو الأخطر، ويتمثل في تعثر المستشفيات الحكومية والخاصة معاً نتيجة نقص التمويل وتراكم الديون وهجرة الكفاءات، الأمر الذي يهدد الأمن الصحي الفلسطيني برمته.
خاتمة
يكشف بيان نقابة الأطباء عن مرحلة مفصلية يمر بها القطاع الصحي الفلسطيني، حيث لم تعد الأزمة مجرد قضية نقابية أو مالية، بل أصبحت قضية أمن وطني وصحة عامة واستقرار اجتماعي. فالقطاع الصحي يمثل خط الدفاع الأول عن المجتمع، وأي خلل في استدامته ينعكس مباشرة على حياة المواطنين وكرامتهم وحقهم في العلاج.
ومن هنا فإن المطلوب اليوم ليس إدارة الأزمة فحسب، بل إطلاق رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء المنظومة الصحية الفلسطينية على أسس الاستدامة والكفاءة والعدالة، قبل أن تتحول الأزمة الحالية إلى نقطة انهيار يصعب تداركها مستقبلاً.
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ورئيس تحرير صحيفة صوت العروبة