وردة حمراء في أرض الجليل

الكاتب : محمد أبو عيد

مايو 25, 2026 - 11:13
وردة حمراء في أرض الجليل

وردة حمراء في أرض الجليل


ستبقى هيا؟
أم سيأخذُ ترابُ الجليلِ حصّتَهُ من لحمِنا
واحدًا واحدًا؟
ما بالُ هذه البلاد
لا تعرفُ غيرَ الموت،
كأنّها تُربّي أبناءَها
على الفقدِ أكثرَ مما تُربّيهم على الحياة.
يا الله،
هل ستعطينا شرفَ أن تصعدَ أرواحُنا
مع أرواحِ غزّة،
أولئك الذين عبروا إلى السماء
مثقلين بالحبِّ والخوفِ والرماد؟
هناك، في الجليل البعيد القريب، حيث تبدو البلاد معلّقةً بين سماءٍ لا تتّسع لأحلام أهلها، وأرضٍ تعرف أبناءها واحدًا واحدًا، كبرت هيا. كانت تعرف، مثلما يعرف الفلاح طريقه إلى الحقل في العتمة، أنّ الأشياء لا تُقاس بأسمائها فقط، بل بموقفها من الناس.
وحين كانت الهويات تختلط، والوجوه تتعب من محاولات النجاة، لم تختلط البلاد على أولئك المتجذّرين في ترابها. كانت فلسطين واضحة كجرحٍ قديم، وكأغنية تحفظها الأمهات دون أن يكتبنها. وهيا، التي تشبهنا وتشبه خوفنا الصغير على هذه البلاد، كانت واحدةً منّا؛ ابنة أسرة مناضلة ومكافحة، تعلّمت مبكرًا أنّ الفقراء ليسوا فكرةً في كتاب، بل وجوهًا حقيقية تجلس قرب القلب. وكانت تبكي بحرقة على أطفال غزّة، كأنّ وجعهم جزءٌ من جسدها، وكأنّها تعرف أنّ البلاد التي تفيض بكل هذا الألم تحتاج قلوبًا واسعة كي تبقى حيّة.
وعلى أرض الجليل، أرض الرسالات والمسيح، أحبّت فلسطين كحياةٍ كاملة، وكشجرة زيتون تقف وحدها في وجه الريح. لذلك انضمّت إلى صفوف الشبيبة الشيوعية، لا بحثًا عن اسمٍ أو مكان، بل لأنها آمنت أنّ الإنسان إذا لم يكن مع المستضعفين، فعليه أن يشكّ طويلًا بإنسانيته.
كانت هيا من الطاقات الأيقونية في جيلها، من أولئك الذين يشبهون الضوء حين يمرّ في زمنٍ معتم. لم يعرف اليأس طريقًا إلى قلبها، وحتى عندما كانت تكافح مرض السرطان، كانت تواجهه بالابتسامة نفسها التي واجهت بها الحياة كلّها. لم تتعامل مع المرض كاستسلام، بل كمعركة أخرى يجب أن تُخاض بكرامة.
وكان جيلها، ذلك الجيل من محبّيها الذي يصارع الدنيا بكل ما فيها من خيبات وقسوة، يخرج من زياراته المتكرّرة لها وهو يقول دائمًا:
“هيا… مكمّلين”.
كأنّ اسمها صار وعدًا بالاستمرار، وكأنّ وجودها وحده كان كافيًا ليمنح الآخرين قدرةً إضافية على الصمود.
وربما كانت أمّها تعرف، في صمت الأمهات الثقيل، أنّ البنات اللواتي يحملن هذا القدر من المحبة يتعبن سريعًا من قسوة العالم. لكن كيف يمتدّ الوطن إن لم تحمل الأمهات ذاكرته؟ وكيف تبقى البلاد حيّة إن لم يكن فيها من يشبه هيا؛ أولئك الذين يمشون بخفّة، كأنّهم يعرفون أنّ أعمارهم قصيرة، لكن أثرهم طويل كحكاية فلسطين نفسها؟
ترحل هيا اليوم بهدوء يشبه تعب السنوات الثقيلة، وترحل وهي تحمل وجعها بعيدًا عمّن أحبّتهم، كأنّها كانت تخاف أن تترك لهم أكثر ممّا تركه هذا العالم أصلًا. تمضي تاركةً وصيّتها الصغيرة الكبيرة: احذروا الضباع التي تتقن ارتداء الوجوه، حافظوا على أنفسكم، ولا تسمحوا للقسوة أن تسلبكم قدرتكم على الحب أو الإيمان بهذه البلاد.
كونوا جزءًا من هذا الطريق الطويل، الطريق الذي سار عليه الفقراء والحالمون والعنيدون، أولئك الذين عرفوا أنّ فلسطين والجليل لنا، طال الزمان أم قصر، وأنّ الحياة تُعاش بالتعب والصبر والوفاء.
هيا التي تشبهنا، كانت تعرف أنّ الطريق أطول من أعمارنا جميعًا، وأنّ الذين يرحلون لا يغيبون تمامًا، بل يتركون شيئًا منهم في قلوب الذين يُكملون المسير. لذلك تمضي الآن خفيفةً، كأنّها تعود إلى الجليل الأول، إلى الحكايات القديمة، إلى الأمهات اللواتي يعرفن كيف يخبئن الوطن في قلوب أبنائهن كي لا يضيع.
وأنا أعرف هيا وجيلها، وأعرف المئات منهم؛ متعبين، قلقين، حالمين، وفتيةً عنيدين مصمّمين على أنهم مختلفون. ولِمَ لا؟ وهم أجمل من الفراشات في حيويتهم، وفيهم من الوفاء ما يجعلهم يتعاهدون فيما بينهم عند سرير رفيقتهم وصديقتهم:
“تخافيش… إحنا مكمّلين”.
السلام عليهم جميعًا وهم يشقّون طريقهم في الصخر،
والسلام على روح هيا، التي صارعت حياةً لم تكن لطيفة معها، وصارعت مرض السرطان طويلًا، حتى تعبت من هذا الوحش الذي كان ينهش جسدها ببطء، فخرجت روحها بعد معركة مثّلت فيها كلَّ من أحبّها، وكلَّ الذين رأوا فيها صورةً للحياة وهي تقاوم حتى اللحظة الأخيرة.
وسيكملون الطريق باسمها،
وسيظلّ صوتها بينهم كلّما تعبوا،
وكلّما ضاقت البلاد بأهلها.
سيطولُ ذِكرُكِ يا هيا…
سيطول.
السلام على روحك المقاتلة،
وحتى يوم اللقاء الحتمي سنشتاقك كثيرًا.

الكاتب : محمد أبو عيد