قراءة استراتيجية معمقة في البيان الختامي للمؤتمر الثامن لحركة فتح
بين تثبيت الثوابت الوطنية والحاجة إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني
قراءة استراتيجية معمقة في البيان الختامي للمؤتمر الثامن لحركة فتح
بين تثبيت الثوابت الوطنية والحاجة إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
شكّل انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح حدثاً سياسياً وتنظيمياً مهماً في لحظة تُعد من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ النكبة، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد العدوان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس، واتساع الاستيطان والتهجير القسري، ومحاولات فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تستهدف إعادة صياغة القضية الفلسطينية وإضعاف المشروع الوطني الفلسطيني. وقد جاء البيان الختامي للمؤتمر حاملاً تأكيداً واضحاً على الثوابت الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها مركزية منظمة التحرير الفلسطينية، ووحدة الأرض والشعب، والتمسك بالقدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين، ورفض مشاريع فصل غزة عن الضفة الغربية
غير أن القراءة السياسية والاستراتيجية العميقة للبيان تكشف أن المؤتمر، رغم أهمية رسائله السياسية، بقي أسيراً لإعادة إنتاج الخطاب التقليدي للحركة دون تقديم رؤية وطنية شاملة تواكب حجم التحديات الوجودية التي تواجه الشعب الفلسطيني، سواء على مستوى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أو تحديد طبيعة العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، أو الانتقال من مرحلة الحكم الذاتي المحدود إلى مرحلة تجسيد مؤسسات الدولة الفلسطينية ذات السيادة.
لقد أعاد البيان التأكيد على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”، وهو موقف يحمل أبعاداً سياسية مهمة في مواجهة أي محاولات لتجاوز المنظمة أو خلق بدائل تمثيلية عنها، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن ترتيبات سياسية وأمنية لمرحلة ما بعد الحرب على غزة. إلا أن البيان، في المقابل، لم يقدم رؤية إصلاحية واضحة لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وتفعيلها على أسس الشراكة الوطنية والديمقراطية، بما يضمن استعادة ثقة الشارع الفلسطيني بمؤسساته الوطنية، خاصة في ظل تراجع فاعلية المؤسسات التمثيلية، واتساع الفجوة بين النظام السياسي والواقع الشعبي.
كما أن البيان لم يتناول بصورة معمقة أزمة النظام السياسي الفلسطيني الناتجة عن استمرار حالة الانقسام، وتداخل الصلاحيات بين مؤسسات السلطة والمنظمة والحركة، ولم يطرح تصوراً واضحاً للانتقال التدريجي من سلطة حكم ذاتي محدودة الصلاحيات، نشأت بموجب اتفاق أوسلو، إلى مؤسسات دولة فلسطينية كاملة السيادة تستند إلى القانون الأساسي الفلسطيني بوصفه دستوراً مؤقتاً لدولة فلسطين، وإلى قرارات الشرعية الدولية، وقرارات محكمة العدل الدولية التي أكدت عدم شرعية الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي.
فالمرحلة الراهنة لم تعد تحتمل استمرار إدارة الواقع الفلسطيني بمنطق السلطة الانتقالية المقيدة بالاتفاقات الأمنية والاقتصادية، بينما يواصل الاحتلال تقويض أسس قيام الدولة الفلسطينية عبر التوسع الاستيطاني، والضم الزاحف، والسيطرة على الموارد والمعابر، وتقويض الاقتصاد الفلسطيني بصورة ممنهجة.
ومن أبرز الثغرات في البيان غياب الحديث بصورة واضحة عن سياسات الاحتلال الاقتصادية، وخاصة استمرار حجز أموال المقاصة والاقتطاعات المالية، التي تحولت إلى أداة ابتزاز سياسي واقتصادي تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، وتعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشعب الفلسطيني. كما لم يتناول البيان التداعيات الخطيرة لارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل الطبقة الوسطى، وما يتركه ذلك من آثار على الاستقرار المجتمعي وصمود المواطنين.
كذلك، ورغم حديث البيان عن مخيمات اللاجئين وحق العودة، إلا أنه لم يمنح الاهتمام الكافي للسياسات الإسرائيلية الخطيرة الهادفة إلى تفكيك البنية الوطنية والاجتماعية للمخيمات الفلسطينية، وخاصة ما يجري في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، من عمليات اقتحام متكررة، وتهجير قسري، وتدمير للبنية التحتية والمنازل، وتحويل المخيمات إلى مناطق استنزاف أمني وإنساني دائم.
فالاحتلال لم يعد يستهدف فقط المقاومين أو البنية التنظيمية للفصائل، بل بات يعمل بصورة منهجية على تفكيك الحاضنة الاجتماعية والوطنية للمخيمات باعتبارها رمزاً حياً لقضية اللاجئين وحق العودة، ومحاولة إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي الفلسطيني بالقوة العسكرية.
كما خلا البيان من الإشارة الواضحة إلى سياسة هدم المنازل والمنشآت التجارية في القدس والعيزرية والأغوار الفلسطينية، وهي سياسة تمثل أحد أخطر أدوات التهجير الصامت والتطهير الديمغرافي التي تنتهجها إسرائيل لفرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة في المناطق المصنفة “ج”، والقدس المحتلة، والأغوار التي تشكل العمق الاستراتيجي للدولة الفلسطينية المستقبلية.
وفي البعد التنظيمي، ورغم أهمية انعقاد المؤتمر الثامن بعد سنوات طويلة من الجمود التنظيمي، إلا أن البيان لم يتضمن خطة واضحة لإعادة استنهاض حركة فتح وتجديد بنيتها الداخلية، ولم يتطرق بصورة صريحة إلى أزمة الترهل التنظيمي، وضعف الأطر الحركية، وتراجع دور الأقاليم والمناطق التنظيمية، والحاجة لتطوير النظام الداخلي للحركة بما ينسجم مع المتغيرات السياسية والاجتماعية.
كما غاب عن البيان تحديد جدول زمني واضح لإجراء انتخابات الأقاليم والمناطق التنظيمية، وهي خطوة أساسية لإعادة بناء الشرعية الداخلية وتجديد القيادات وفتح المجال أمام مشاركة أوسع للشباب والكفاءات الوطنية.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه حركة فتح اليوم لا يكمن فقط في الحفاظ على مكانتها التاريخية، بل في قدرتها على التحول مجدداً إلى حركة تحرر وطني قادرة على قيادة مشروع وطني جامع، يتجاوز حالة الإدارة اليومية للأزمة، وينتقل إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة لإدارة الصراع مع الاحتلال.
توصيات استراتيجية ووطنية
إن المرحلة الحالية تفرض ضرورة الانتقال من خطاب التمسك بالثوابت إلى بناء برنامج وطني عملي يقوم على الأسس التالية:
إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة الشراكة الوطنية والديمقراطية، وتفعيل مؤسساتها التمثيلية بما يعزز وحدانية التمثيل الفلسطيني.
تطوير النظام الداخلي لحركة فتح وإجراء انتخابات تنظيمية شاملة للأقاليم والمناطق والمؤسسات الحركية لضخ دماء جديدة وتجديد الشرعية التنظيمية.
إعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي باعتباره سلطة احتلال استعماري، والعمل التدريجي على التحرر من قيود المرحلة الانتقالية واتفاقات أوسلو الاقتصادية والأمنية.
الانتقال من مفهوم “السلطة الانتقالية” إلى ترسيخ مؤسسات الدولة الفلسطينية استناداً إلى القانون الأساسي الفلسطيني وقرارات الشرعية الدولية والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الاحتلال.
تبني استراتيجية وطنية شاملة للمقاومة الشعبية والسياسية والقانونية والدبلوماسية، وربطها بخطط حماية الصمود الفلسطيني في القدس والمخيمات والأغوار والمناطق المهددة بالاستيطان والتهجير.
وضع خطة اقتصادية وطنية لمواجهة سياسة حجز أموال المقاصة والابتزاز المالي الإسرائيلي، وتعزيز الاقتصاد الوطني وتقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.
تعزيز صمود المخيمات الفلسطينية ووقف سياسات التهجير القسري وهدم المنازل، وتحويل هذه الملفات إلى أولوية في التحرك السياسي والقانوني الدولي.
توسيع المشاركة الشبابية والنسوية في مؤسسات الحركة والنظام السياسي الفلسطيني، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لاستعادة الحيوية الوطنية والتنظيمية.
إن المؤتمر الثامن لحركة فتح شكّل محطة سياسية مهمة لإعادة تثبيت الثوابت الوطنية الفلسطينية، لكنه يبقى أمام اختبار تاريخي يتمثل في قدرته على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس سياسية وتنظيمية واستراتيجية جديدة، قادرة على مواكبة التحولات الإقليمية والدولية، وحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية من مخاطر التصفية والتفكيك.



