طولكرم خارج اللجنة المركزية لحركة فتح: بين التهميش التنظيمي والاستهداف السياسي والجغرافي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مايو 17, 2026 - 21:48
طولكرم خارج اللجنة المركزية لحركة فتح: بين التهميش التنظيمي والاستهداف السياسي والجغرافي

طولكرم خارج اللجنة المركزية لحركة فتح: بين التهميش التنظيمي والاستهداف السياسي والجغرافي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
شكّل غياب محافظة طولكرم عن التمثيل في اللجنة المركزية لحركة فتح خلال المؤتمر الثامن حالة من الاستياء والتساؤلات داخل الأوساط الشعبية والتنظيمية، خاصة أن المدينة تُعد من أبرز معاقل الحركة الوطنية الفلسطينية، بما تحمله من تاريخ سياسي ونضالي وثقافي، وما قدمته من شهداء وأسرى ومناضلين ومثقفين وعلماء كان لهم دور محوري في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني.
غير أن القضية لا تتعلق فقط بعدم فوز مرشح من طولكرم بعضوية اللجنة المركزية، بل ترتبط بسؤال أعمق حول موقع المحافظة في الخارطة السياسية والتنظيمية الفلسطينية، ومدى إدراك القيادة الفلسطينية لحجم التحديات التي تواجهها هذه المدينة الحدودية التي باتت في قلب المشروع الاستيطاني والتوسعي الإسرائيلي.
فطولكرم ليست محافظة عادية؛ إنها مدينة حدودية تواجه يومياً تبعات الاحتلال المباشر، وتعيش منذ أكثر من عام حالة اجتياحات متواصلة وتواجداً دائماً لقوات الاحتلال الإسرائيلي داخل المدينة ومخيمي طولكرم ونور شمس، في مشهد يعكس حجم الاستهداف الأمني والسياسي للمحافظة. وقد أدى ذلك إلى استشهاد واعتقال العشرات، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية والممتلكات والمرافق الاقتصادية.
كما شهدت المحافظة واحدة من أخطر عمليات التهجير القسري الداخلي، حيث اضطر أكثر من ثلاثين ألف مواطن من سكان مخيمي طولكرم ونور شمس إلى النزوح القسري بفعل العمليات العسكرية والحصار والتدمير، الأمر الذي خلق أزمات إنسانية واجتماعية واقتصادية متفاقمة، وسط ضعف واضح في الاستجابة الوطنية والرسمية لحجم الكارثة.
ولا يمكن فصل ما تتعرض له طولكرم عن المخطط الاستيطاني الإسرائيلي الهادف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في شمال الضفة الغربية، فالمحافظة تقع في قلب المشروع التوسعي الاستيطاني، وتتعرض بشكل مستمر لمصادرة الأراضي وشق الطرق الالتفافية وتوسيع المستوطنات والجدار، بما يهدد مستقبلها الاقتصادي والزراعي والديموغرافي.
إلى جانب ذلك، تعيش طولكرم حصاراً اقتصادياً خانقاً نتيجة الحواجز والإغلاقات والقيود على الحركة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على القطاعات التجارية والزراعية والصناعية، وفاقم نسب البطالة والفقر، في وقت تحتاج فيه المحافظة إلى خطط إنقاذ وتنمية حقيقية تعزز صمود المواطنين في مواجهة سياسات الاحتلال.
ومن هنا، فإن غياب طولكرم عن اللجنة المركزية لحركة فتح لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد نتيجة انتخابية عابرة، بل يحمل دلالات سياسية وتنظيمية أعمق، خاصة أن المحافظة تمثل خط تماس مباشر مع الاحتلال والاستيطان، وكان من المفترض أن تحظى بحضور سياسي وتنظيمي يعكس حجم تضحياتها ومكانتها الوطنية.
ولا شك أن جزءاً من المسؤولية يقع على الحالة التنظيمية الداخلية في المحافظة، وما شهدته من انقسامات وتنافسات أضعفت القدرة على تشكيل حالة توافقية داعمة لمرشح قوي يحظى بإجماع واسع داخل الحركة. لكن في المقابل، تبقى المسؤولية الأكبر مرتبطة بضرورة إعادة النظر في آليات التمثيل والتوازن داخل الأطر القيادية للحركة، بما يضمن عدم شعور المحافظات المهمشة بالإقصاء أو التراجع في الحضور الوطني.
إن طولكرم، بتاريخها وإرثها الوطني وموقعها الجغرافي الحساس، تستحق أن تكون حاضرة بقوة في دوائر القرار الفلسطيني، ليس من باب المحاصصة الجغرافية، بل لأن ما تواجهه من استهداف إسرائيلي مباشر يجعلها في مقدمة المحافظات التي تحتاج إلى غطاء سياسي وتنظيمي ووطني حقيقي.
وفي ظل المرحلة الخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية، فإن إعادة الاعتبار للمحافظات الحدودية والمناطق المستهدفة يجب أن يكون جزءاً من رؤية وطنية شاملة تعيد بناء العلاقة بين القيادة والشارع، وبين التنظيم وقواعده الشعبية، على قاعدة الشراكة والعدالة الوطنية وتعزيز صمود المواطنين في مواجهة الاحتلال ومشاريعه التوسعية.