صفر باليد صفيره حين يصبح الفرد نفسه موردًا وطنيًا
الى أعضاء المؤتمر العام الثامن حركة فتح
صفر باليد صفيره
حين يصبح الفرد نفسه موردًا وطنيًا
الى أعضاء المؤتمر العام الثامن حركة فتح
محمد قاروط أبو رحمه
لا تشير عبارة “صفر باليد صفيره" إلى امتلاك أداة خارجية، بل إلى غيابها أصلًا.
فـ "الصفر" هنا هو الدائرة التي يصنعها الإنسان بتلاقي الإبهام والسبابة؛ أي إن الأداة الوحيدة المتاحة هي الجسد نفسه، والقدرة الكامنة داخله على تحويل الفراغ إلى أثر.
ومن هنا تكتسب العبارة معناها الأعمق في التجربة الفلسطينية:
ليست القيمة فيما نملك، بل فيما نستطيع أن نفعله حتى عندما لا نملك إلا أنفسنا.
بهذا المعنى، لا يعود "الصمود النشط" مجرد إدارة للنقص، بل قدرة على تحويل الذات الفردية والجماعية إلى مصدر إنتاج للقوة. فحين تغيب السيادة الكاملة، ويتقلص المجال، وتندر الموارد، يصبح الإنسان الفلسطيني نفسه هو المورد الأساسي:
وعيه،
إرادته،
صوته،
بقاؤه،
وتنظيمه الجماعي.
وهذا تحديدًا ما يجعل "صفر باليد صفيره" أقرب إلى فلسفة سياسية كاملة لا مجرد تعبير شعبي؛ إذ تختزل فكرة أن الفعل الوطني لا يبدأ من وفرة الأدوات، بل من القدرة على إنتاج أداة من داخل العجز نفسه.
ومن هنا يمكن فهم كثير من أشكال الفعل الفلسطيني التاريخي:
الحجر لم يكن سلاح قوة، بل تحويل الضعف إلى حضور.
والهوية لم تكن معطى ثابتًا، بل فعل مقاومة يومي.
والبقاء فوق الأرض لم يكن حالة سكون، بل إنتاجًا مستمرًا للسيادة الرمزية والسياسية.
لذلك فإن "النموذج الثالث" لا يقوم فقط على الجمع بين السلطة والتحرر، بل على فكرة أعمق:
أن المجتمع نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة حتى في غياب شروط الدولة المكتملة.
فالمؤسسة هنا لا تُبنى لأنها تملك فائض السيادة، بل لأنها تمنع تحوّل الفلسطيني إلى فرد معزول منزوع القدرة. وهكذا يصبح التعليم، والتنظيم، والاقتصاد المحلي، والرواية الوطنية، أشكالًا من "الصفير السياسي": أثرٌ يتجاوز حجم الأدوات المتاحة.
وفي هذا تكمن روح الصمود النشط:
ليس انتظار اكتمال القوة،
بل اكتشاف القوة الكامنة في الإنسان نفسه حين لا يملك إلا نفسه.



