النكبة بوصفها زمناً مفتوحاً: هل غادر الفلسطينيون عام 1948 حقاً؟

مايو 15, 2026 - 13:25
مايو 15, 2026 - 13:25
النكبة بوصفها زمناً مفتوحاً: هل غادر الفلسطينيون عام 1948 حقاً؟

النكبة بوصفها زمناً مفتوحاً: هل غادر الفلسطينيون عام 1948 حقاً؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في واحدة من أكثر العبارات عمقاً في فهم حركة التاريخ، قال الفيلسوف الإسباني جورج سانتيانا: “من لا يتذكر الماضي محكوم عليه أن يعيشه مرة أخرى”. غير أن الحالة الفلسطينية تبدو أكثر تعقيداً وقسوة؛ فالفلسطيني لم يحتج إلى استدعاء ذاكرته ليعود إلى النكبة، لأن النكبة ذاتها لم تغادره يوماً، بل بقيت تتبدل في أشكالها وأدواتها وأسمائها، فيما ظل الجوهر واحداً: صراع على الأرض والهوية والوجود.

حين نقرأ اليوم أعمال المؤرخ والمفكر الفلسطيني وليد الخالدي، وخاصة كتابه كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948، لا نشعر أننا أمام وثيقة تؤرخ للماضي فحسب، بل أمام نص يقرأ الحاضر أيضاً. فالقرى التي أزيلت من الخرائط عام 1948، والمجازر التي دفعت الناس إلى النزوح القسري، وسياسة اقتلاع الإنسان من ذاكرته ومحيطه، كلها تعود اليوم بصور مختلفة في غزة وجنين وطولكرم ومخيمات اللجوء الفلسطينية.

ما يجري اليوم في فلسطين لم يعد مجرد جولات حرب متكررة، بل يعكس تحولات استراتيجية عميقة في طبيعة الصراع. فإسرائيل، وخصوصاً في ظل صعود التيارات الدينية والقومية المتطرفة، باتت تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية حسم وجودي، لا نزاعاً سياسياً قابلاً للتسوية التقليدية. ومن هنا يمكن فهم سياسات التوسع الاستيطاني، ومحاولات إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، والحصار، واستهداف البنية الاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية.

إن المشهد في غزة، بما يحمله من دمار هائل ونزوح جماعي وانهيار للبنية الإنسانية، أعاد إلى الواجهة الدولية مفردات ظن العالم أنها أصبحت جزءاً من ذاكرة القرن العشرين: التهجير القسري، العقاب الجماعي، والتطهير العرقي. وقد سبق للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه أن وصف أحداث عام 1948 بأنها “تطهير عرقي ممنهج”، وهو توصيف بات يجد صداه اليوم في النقاشات القانونية والسياسية الدولية المتعلقة بالحرب على غزة.

أما المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد فقد حذر مبكراً من اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني فقط، معتبراً أن جوهر القضية يكمن في حرمان شعب كامل من حقه في روايته الوطنية والتاريخية. وهذا ما يجعل المعركة الحالية ليست معركة حدود فقط، بل معركة على الوعي والرواية والذاكرة.

وفي هذا السياق، فإن مخيمات اللاجئين الفلسطينية لم تعد مجرد أماكن مؤقتة للسكن، بل تحولت إلى رموز سياسية وتاريخية تختصر استمرار النكبة عبر الأجيال. فالمخيم الذي أُنشئ باعتباره حلاً انتقالياً قبل عقود، أصبح اليوم شاهداً دائماً على عجز المجتمع الدولي عن تطبيق قراراته المتعلقة بحق العودة وإنهاء الاحتلال.

سياسياً، تكشف التطورات الجارية حجم الأزمة التي يعيشها النظام الدولي نفسه. فالقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، وقرارات الأمم المتحدة، كلها تؤكد عدم جواز التهجير القسري واستهداف المدنيين وفرض العقوبات الجماعية. ومع ذلك، فإن عجز المؤسسات الدولية عن وقف المأساة الفلسطينية يثير أسئلة عميقة حول ازدواجية المعايير وحدود العدالة الدولية في عالم تحكمه موازين القوى أكثر مما تحكمه المبادئ.

الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر كان يرى أن الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إعادة تشكيل وعي الإنسان الواقع تحت الاحتلال. وفي الحالة الفلسطينية، تبدو محاولات فرض واقع سياسي جديد قائمة على إضعاف الهوية الوطنية الفلسطينية، وتحويل الفلسطيني إلى مجرد فرد منشغل بتأمين بقائه الإنساني بعيداً عن مشروعه الوطني الجامع.

غير أن التجربة الفلسطينية أثبتت، رغم كل شيء، أن الذاكرة أقوى من محاولات الطمس. فالقرى التي دمرت بقيت حاضرة في أسماء العائلات، وفي الروايات الشعبية، وفي مفاتيح البيوت القديمة التي ما زالت تحتفظ بها الأجيال الفلسطينية باعتبارها رمزاً لحق لم يسقط بالتقادم.

إن أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم ليس فقط حجم العدوان والاحتلال، بل خطر التآكل الداخلي والانقسام السياسي وغياب المشروع الوطني الموحد القادر على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. فالقضية الفلسطينية تقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب إعادة بناء استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى الوحدة الوطنية، وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي، واستثمار التحولات الدولية المتزايدة في الرأي العام العالمي تجاه العدالة الفلسطينية.

لقد كتب المفكر العربي قسطنطين زريق في كتابه معنى النكبة أن النكبة ليست مجرد هزيمة عسكرية، بل أزمة حضارية وسياسية وأخلاقية تتطلب مراجعة شاملة. وربما يكون هذا التوصيف أكثر راهنية اليوم، في ظل استمرار المأساة الفلسطينية واتساعها جيلاً بعد جيل.

إن ما نشهده اليوم يؤكد أن النكبة لم تكن حدثاً انتهى في عام 1948، بل مساراً تاريخياً مفتوحاً ما زال الفلسطيني يعيش فصوله حتى اللحظة. ولذلك، فإن قراءة التاريخ الفلسطيني ليست استغراقاً في الماضي، بل محاولة لفهم حاضر يتشكل تحت النار، ومستقبل ما زال معلقاً بين مشاريع الاقتلاع وإرادة البقاء.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على العالم قبل الفلسطينيين: إلى متى سيبقى الشعب الفلسطيني مطالباً بإثبات حقه في الحياة والحرية والكرامة فوق أرضه؟