من فييتنام إلى طهران: استقالة جو كينت تكشف تصدّع «أميركا أولاً» وتعيد طرح سؤال الحروب الأميركية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
من فييتنام إلى طهران: استقالة جو كينت تكشف تصدّع «أميركا أولاً» وتعيد طرح سؤال الحروب الأميركية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في لحظة سياسية حساسة تعيد إلى الأذهان تجارب أميركية مريرة، جاءت استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت من إدارة الرئيس دونالد ترامب، على خلفية الحرب ضد إيران، لتشكّل نقطة تحوّل لافتة في مسار الصراع، ليس فقط على مستوى السياسة الخارجية، بل أيضاً داخل بنية القرار الأميركي ذاته.
هذه الاستقالة، بما تحمله من مضامين سياسية وأخلاقية، تعيد إلى الواجهة سوابق تاريخية مشابهة، حين اختار مسؤولون كبار الانسحاب من مواقعهم احتجاجاً على خيارات عسكرية مثيرة للجدل، كما حصل مع جورج بول خلال حرب فييتنام في عهد ليندون جونسون، أو مع ريتشارد كلارك إبّان غزو العراق في عهد جورج دبليو بوش.
لكن ما يميز استقالة كينت هو أنها تأتي من داخل معسكر الرئيس نفسه، ومن شخصية تُعدّ جزءاً من التيار الشعبوي المحافظ الذي شكّل عماد مشروع “أميركا أولاً”.
انقسام داخل “ماغا”: من الإجماع إلى التصدّع
تكشف خطوة كينت عن انقسام أيديولوجي عميق داخل التيار الجمهوري، وتحديداً داخل قاعدة ترامب. فبينما قام مشروع “ماغا” على رفض الحروب الخارجية المكلفة، جاءت الحرب على إيران لتضع هذا الشعار أمام اختبار قاسٍ.
فقد عبّر كينت بوضوح عن موقف يعكس توجهاً داخل القاعدة المحافظة يرفض الانخراط في صراعات الشرق الأوسط، معتبراً أن الحرب لا تستند إلى تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي، بل جاءت نتيجة ضغوط سياسية وإعلامية.
هذا الموقف وجد صداه لدى شخصيات جمهورية بارزة، مثل راند بول، التي طالما حذّرت من مخاطر التورط في حروب طويلة، وكذلك لدى شخصيات إعلامية مؤثرة مثل تاكر كارلسون، ما يعكس تصدعاً حقيقياً في وحدة الخطاب المحافظ.
بين تأثير الحلفاء وحدود القرار الأميركي
تطرح الاستقالة أيضاً تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل، في ظل اتهامات متزايدة بأن القرار الأميركي لا يُصاغ بمعزل عن تأثيرات خارجية وضغوط جماعات الضغط.
غير أن اختزال القرار الأميركي في هذا العامل وحده يبقى تبسيطاً مخلّاً؛ إذ تشير تجارب سابقة إلى أن الإدارات الأميركية، بغض النظر عن الضغوط، تمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلالية، وأن خيار الحرب غالباً ما يكون نتاج تفاعل معقّد بين الحسابات الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية والرؤية الأيديولوجية للقيادة.
ارتدادات الحرب: الاقتصاد والطاقة وممرات الصراع
لم تقتصر تداعيات الحرب على البعد السياسي، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، حيث أدت التوترات في الخليج إلى اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط، في ظل التهديدات التي تطاول الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب.
هذه المعطيات تعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة، وتفتح الباب أمام احتمالات توسّع المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، في ظل تداخل المصالح بين القوى الكبرى والإقليمية، وهو ما يهدد بتحويل الحرب إلى صراع مفتوح على النفوذ والممرات البحرية.
هل تغيّر واشنطن مسارها؟
السؤال المركزي الذي تطرحه استقالة كينت هو ما إذا كانت تمثل بداية موجة أوسع من الانشقاقات داخل الإدارة الأميركية، أم أنها ستبقى حالة فردية معزولة.
التاريخ الأميركي يشير إلى أن الانقسامات الداخلية غالباً ما تكون مقدمة لتحولات كبرى في السياسة الخارجية، كما حصل في فييتنام والعراق. ومع ذلك، فإن طبيعة القيادة الحالية، القائمة على الحسم والاندفاع، قد تجعل من الصعب التراجع السريع، حتى في ظل تزايد الانتقادات.
بين الواقعية السياسية ومخاطر الانزلاق
في المحصلة، لا يمكن قراءة استقالة جو كينت بمعزل عن السياق الأوسع لتحولات النظام الدولي، حيث تتراجع الأحادية القطبية، وتتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، فيما تبقى منطقة الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل التوازنات.
وبينما تتباين التفسيرات حول أسباب الحرب، سواء باعتبارها نتيجة ضغوط خارجية أو انعكاساً لخيارات داخلية، يبقى الثابت أن استمرار هذا النهج ينذر بانزلاق المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على القضية الفلسطينية، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الدولي.
إن استحضار دروس فييتنام والعراق اليوم ليس ترفاً تاريخياً، بل ضرورة سياسية، في لحظة قد تعيد فيها واشنطن إنتاج أخطاء الماضي، ولكن بكلفة استراتيجية أعلى، وفي عالم أقل تسامحاً مع الحروب المفتوحة.



