الثروة العربية إلى أين تذهب؟

يوليو 26, 2025 - 10:38
الثروة العربية إلى أين تذهب؟

جواد العناني

 

السؤال الكبير الذي يجب طرحه على بساط البحث هو ما مآل الثروة العربية ومن هم المستفيدون الآن منها؟ وهل ستساهم في بناء طاقة عربية خلاقة قادرة على تمكين الثروة من التراكم عبر الأجيال والحدود؟ أم إن أعداء العرب قد تمكّنوا من بعثرة تلك الجهود وتحويل مساراتها عن الهدف الذي اشتغل عليه بعض العرب أو من يشتغلون عليه؟ وتناوُلُ هذا الموضوع بقدر كبير من الدقة ليس متاحاً في المدى المنظور، ويتطلّب معلومات وإحصاءات لا تتوفر منها سلاسل زمنية منتظمة تمكن الباحث من التحليل واستخلاص النتائج الأساسية.

وقد أصدر عبد الرحمن بن خلدون الذي يعتبره كثيرون في الغرب وفي دنيا العرب مؤسس علم الاقتصاد الاجتماعي في كتابه الموسوم "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" في عام 1378 ميلادية. وهو محاولة منه لكتابة التاريخ بنهج مغاير لمن سبقه ومن عاصره من المؤرخين، حيث جعل التاريخ راوياً لسيرة الشعوب أساساً ومن ثم السلاطين الذين عاصروا الشعوب وليس العكس. ولكي يشرح فكرته، فقد اضطر لكتابة مقدمة كتابه والتي طغت في الفكر الذي احتوته على الاهتمام الخاص والعام، وصارت هي أهم بكثير من سرد التاريخ في العبر والديوان.

وفي عام 1776 ميلادي، أي بعد 398 عاماً، نشر الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث كتابه الشهير الموسوم "بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها" وباللغة الإنكليزية An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations، والذي اتفِقَ على اختصاره إلى "ثروة الأمم". ومع أن الكتابين خرجا في ظروف مختلفة بعضها عن بعض، إلا أنّهما يتفقان على بعض المبادئ الأساسية وأهمها أن العمل مصدر القيمة أو ما سمي لاحقاً بـ"نظرية قيمة العمل"، وبأن العمل هو الذي يحول الموارد المتاحة من تراب أو معادن أو مياه الى قيمة اقتصادية عالية بسبب أن العمال يبذلون الجهود لمنح هذه الموارد قيمة مضافة.

وذهب آدم سميث في شرح الشروط لضمان هذا النهج في خلق القيمة المضافة والتي كان من أهمها تقسيم الاقتصاد الى أسواق مختلفة، وتقسيم العمل الذي يعتمد على حجم السوق والعلاقة بينهما طردية، وعلى حرية الحركة للكميات والأسعار، وعلى المصطلح المبدئي الشهير الذي وضعه آدم سميث في كتابه وهو "اليد الخفية" أو "القوة الناعمة" في المجتمع التي تبني الثروة بأسلوب متوازن يسمح بإعادة الاستقرار كلما نبا الاقتصاد عن توازنه واحتاج إلى جرعة من الإجراءات التصحيحية الأوتوماتيكية.

أما ابن خلدون، وبحسب كثير من دارسيه، فقد نوه بأهمية ما نسميه اليوم بالبنية التحتية والخدمات البنيوية، إذ أعطى قيمة كبيرة لقطاع النقل. وقد اهتمّ ابن خلدون بقطاع النقل لأنه يفسح المجال لبناء الطرق التي تسمح لبعض الناس بالغنى، وتتيح للتجار أن يتبادلوا السلع والخدمات بأرباح جيدة، خاصة في ظل القانون الحديدي للأجور والذي وضعه ديفيد ريكاردو في كتابه "مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب" الصادر عام 1817 ميلادي أو بعد 31 عاماً من كتاب آدم سميث.

ونرى توافقاً أكبر بين ديفيد ريكاردو وابن خلدون في أمور مثل القانون الحديدي للأجور (Iron Law of Wages)، ونظرية الريع (Theory of Rent)، والتي تعود بالنفع على أصحاب الأراضي عندما يزداد الطلب على الإسكان والطعام وغيرهما من الأمور.

وقد رأى الاقتصاديون الرأسماليون الكلاسيكيون (سميث وريكاردو ومالتوس وغيرهم) أن أهم مقومات استمرار النمو وبناء الثروة تعتمد على قدرة المجتمع ليكون تنافسياً وأكثر ميلاً للكفاءة على حساب المهارة المحدودة، وعلى الدخول في حروب وفتن داخلية، كما شهد ابن خلدون في الربع الأخير من القرن الرابع عشر ما حل بالأندلس ودول المغرب العربي، وإن كان الحال في المغرب العربي وقتها أفضل من الوضع في زمن ملوك الطوائف بالأندلس.

أما القضية الثانية المهمة في عالمنا العربي اليوم هي الشرذمة التي نراها وزيادة الهوة في الدخل والثروة داخل الدول العربية وفيما بينها. ولو طرحنا على أنفسنا السؤال المهم التالي: كم من الثروة العربية في الوقت الحالي يخضع لقرارات يتخذها مديرون وخبراء من اليهود في العالم؟

ولنبدأ أولاً بالقول إن أكثر ثلاث دول لها تأثير مباشر على حجم الثروات العربية هي الولايات المتحدة، وبنسبة متفوقة تليها بعد ذلك المملكة المتحدة والثالثة ستكون بالطبع فرنسا. وفي دراستين أجراهما باحثون مختصون بتمويل من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الإسكوا" في عامي 2020 و2022، فإن توزيع الثروة داخل أركان الوطن العربي وبين أقطاره وداخل كل قُطر فيه يزداد انحرافاً سنة بعد أخرى. وفي دراسة 2020 قام بها الباحث فلاديمير هلسني تبين أن ضريبةً على الثروة بنسبة 1.2% تكفي لإخراج المنطقة من الفقر. وتبين أن أغنى 30 عربياً يملكون ثروة أكثر من بعض الدول العربية بل وأكثر من بلد وضعه الاقتصادي فوق المتوسط مثل أذربيجان.

أما الدراسة الثانية الصادرة عام 2022 عن الإسكوا فتبين أن الفجوة في الثروة أسوأ من تلك التي تظهر في جداول توزيع الدخل وأن توزيع الثروة يزداد تحيزاً لصالح الأثرياء على حساب باقي فئات الشعب العربي. وتبيّن أن داء كوفيد-19 قد ساهم في ذلك، وزاد الفقراء فقراً والأغنية غنى.

وفي ندوة الجزائر التي عقدها الإسكوا قبل أكثر من شهر تبيّن أن الخطر الكامن على الاستقرار والأمن في الدول العربية هو البعد الاجتماعي والمظاهر الاجتماعية السلبية المؤرقة. وقد لوحظ ارتفاع في معدلات الجريمة، مع أن البعض لا يزال يبحث لها عن مبررات، علماً أن الدراسات الرصينة تؤكد أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية مثل الفقر والبطالة والعنوسة وارتفاع تكليف الحياة وتعاطي المخدرات والمسكرات صارت صفات ملازمة لارتفاع معدلات القتل العمد والانتحار والتهريب والنصب والاحتيال، والسرقة والتسول وغيرها.

وإذا استمرّ هذا التدهور في الأوضاع، فإن هذه النسب مرشّحة لقفزات طويلة، مما يسهل الأمور على هذه الظواهر لكي تترسّخ هو الاقتصاد غير الرسمي، والانفلات القانوني وانفتاح أبواب الفساد والرشوة. والإحصاءات والدراسات تؤكد أن هذه الظواهر تؤدي إلى تآكل رأس المال البشري والمادي والمعرفي عبر الزمن. ومنذ أن ارتفعت أسعار النفط والغاز في مطالع العقد السبعيني من القرن الماضي، والغرب يحسب حساباته لكي لا يسمح بتراكم الثروة بكل أشكالها داخل الوطن العربي.

ولذلك فقد بذلوا كل جهد مستطاع لكي يحولوا دون النمو المطرد والنماء اللذين يرفعان من قيمة الحياة وكرامة الإنسان العربي. ولا أقول إن اليهود الذين يريدون أموالنا هم جميعاً فاسدون ومتآمرون. ولكن الصواب القول إن كبار متموّلي هؤلاء وساستهم يرون في المال العربي أمرين مهمين: الأول هو حرمان العرب من السماح لتلك الأموال أن تتحوّل إلى ثروة بناء وخالقة للنمو المستمر. والأمر الثاني هو أنهم يريدون تلك الأموال أن تبقى تحت سيطرتهم بالتعاون مع الأثرياء الكبار من العرب والذين يرى بعضهم أن مصلحتهم مرتبطة بالتعاون مع الرأسمال اليهودي العالمي.

وأمّا الأمر الثاني فهو أن سوء توزيع الدخل والثروة وتقصير دول عربية في البناء قد وسّعا الهوة بين الأثرياء وباقي الشعب في كل دولة، وقد وسّعا كذلك الهوة بين الدول الأغنى وجاراتها الأفقر، ما فتح الباب على مصراعيه على الخصومات والنزاعات. والأنكى من ذلك أن اقتصاد دول خليج نما بشكل جعل الطلب على القوى العاملة غير العربية أقوى من الطلب على القوى العاملة العربية. والسبب أن اختيارات معظم دول الخليج في تنويع اقتصاداتها أو جعلها مستوعبةً للآفاق التكنولوجية الحديثة قد جعلها تعتمد أكثر على المهرة من العمالة الغربية ومن جنوب آسيا وعلى العمالة العربية صاحبة المؤهلات التي يتمتع بها الأوروبيون والآسيويون الجنوبيون. ولكنّ مفهوم بناء الثروة الذي يجمع بين العمالة الأجنبية (خاصة غير العربية) والثروات المحلية، بما فيها المال، لا يدوم ولا يوفر الشروط المطلوبة لجعل اقتصادات دول الخليج أكثر اعتماداً على ذاتها ومصانعها ومشروعاتها وتنافسيتها.

إذاً، تضافرت الظروف التي تجعلنا نتساءل عن مستقبل النمو العربي بشكل عام والنمو المطرد الخليجي بشكل خاص. فهنالك البعثرة وعدم دمج الموارد البشرية بالمقدرات الإنتاجية، وثمة شواهد على التفاوت المتنامي في الثروة أولاً والمداخيل ثانياً لخلق مؤثرات اجتماعية. وأخيراً وليس آخراً، هنالك الصهاينة المتآمرون على الوطن العربي والذين يتحكّمون بشكل مباشر بحوالي ربع الثروة العربية وبشكل غير مباشر بربع آخر، وهذا يُعطيهم الفرصة والمساحة المطلوبتين لإبراز السلبيات وتوتير العلاقات المجتمعية والانخراط في حروب لا طائل منها وتسهيل الشرذمة الإثنية والعرقية على شكل دويلات أو مناطق حكم ذاتي لا حول لها ولا قوة.