في اليوم العالمي للتمريض.. أين تقف فلسطين بين الرسالة الإنسانية وتحديات الواقع الصحي؟
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في اليوم العالمي للتمريض.. أين تقف فلسطين بين الرسالة الإنسانية وتحديات الواقع الصحي؟
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في الثاني عشر من أيار من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للتمريض، تقديرًا لجهود الممرضين والممرضات الذين يشكلون العمود الفقري للأنظمة الصحية، وحجر الأساس في رعاية المرضى وصون كرامتهم الإنسانية. غير أن لهذه المناسبة في فلسطين معنى مختلفًا، إذ لا يُنظر إلى التمريض بوصفه مهنة صحية فحسب، بل باعتباره رسالة صمود إنساني تُمارَس في ظروف استثنائية، تتداخل فيها المعاناة اليومية مع الواجب الوطني والأخلاقي.
فالتمريض في فلسطين ليس وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل هو التزام مفتوح مع الحياة، في وطن يعاني من الاحتلال، وتقييد الحركة، ونقص الإمكانات، وتكرار الأزمات الصحية والإنسانية، ما يجعل الممرض الفلسطيني في مواجهة دائمة مع الألم، وفي تماس مباشر مع تفاصيل المعاناة الإنسانية.
التمريض الفلسطيني.. من الرعاية إلى الصمود
في مختلف دول العالم، يُعد الممرض عنصرًا محوريًا في تقديم الرعاية الصحية، لكنه في فلسطين يتحول إلى خط الدفاع الأول عن المجتمع في مواجهة الانهيار الصحي المحتمل. ففي المستشفيات والمراكز الصحية والمخيمات والقرى النائية، يعمل الممرضون تحت ضغط كبير، وغالبًا بإمكانات محدودة، لكن بإرادة عالية ومسؤولية أخلاقية كبيرة.
في قطاع غزة، على سبيل المثال، حيث تعاني المنظومة الصحية من ضغط غير مسبوق، يواصل الممرضون أداء واجبهم وسط نقص الأدوية والمستلزمات، وازدحام المستشفيات، والانقطاع المتكرر للكهرباء، وارتفاع أعداد الإصابات والمرضى. وفي الضفة الغربية، تتفاقم التحديات بفعل الحواجز والإغلاقات وصعوبة وصول المرضى والطواقم الطبية، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية التي تؤثر في القطاع الصحي برمّته.
وهنا يتجاوز دور الممرض تقديم العلاج إلى الدعم النفسي، وطمأنة المرضى، ومساندة الأسر، والتعامل مع حالات الطوارئ والكوارث، ما يمنح المهنة بعدًا إنسانيًا عميقًا يتجاوز الوصف الوظيفي التقليدي.
أزمة واقع صحي تحتاج إلى مراجعة
ورغم المكانة المحورية لمهنة التمريض، فإن القطاع الصحي الفلسطيني يواجه تحديات بنيوية تتطلب معالجة جادة، أبرزها النقص في أعداد الكوادر، وارتفاع معدلات الإرهاق المهني، وضعف الحوافز، وتفاوت بيئات العمل، فضلًا عن الحاجة المستمرة إلى التدريب والتخصص والتطوير المهني.
فالتمريض لا يمكن أن يستمر قائمًا على روح التضحية وحدها، إذ لا بد من سياسات صحية عادلة تضمن للممرض حياة كريمة، وأجرًا منصفًا، وبيئة عمل آمنة، وفرصًا للتقدم العلمي والمهني. إن استمرار الضغط دون معالجة يهدد جودة الخدمة الصحية، ويؤدي إلى هجرة الكفاءات، واستنزاف الخبرات الوطنية التي يحتاجها المجتمع الفلسطيني بشدة.
البعد الإنساني.. حين يصبح الممرض شاهدًا على الألم
ما يميز التمريض الفلسطيني أن الممرض لا يواجه المرض فقط، بل يواجه آثار الفقر، والحصار، والحروب، والصدمات النفسية، وفقدان الأحبة، وانهيار الأمن الصحي والاجتماعي. فهو أول من يستقبل الجريح، وآخر من يغادر سرير المريض، وصوت الطمأنينة في لحظات الخوف.
كم من ممرض عاد إلى منزله منهكًا بعد نوبة عمل طويلة، ثم عاد في اليوم التالي إلى القسم ذاته مبتسمًا، لأن رسالته أكبر من التعب. وكم من ممرضة واصلت عملها رغم فقدان قريب أو منزل أو شعور بالأمان، لأنها تدرك أن هناك من ينتظر يدًا حانية وكلمة مواساة.
إن هذه الصور اليومية تجعل من التمريض في فلسطين قصة كفاح صامت، لا تكتبها العناوين الكبرى، لكنها محفورة في ذاكرة الناس وضمير المجتمع.
ماذا تحتاج فلسطين في هذا اليوم؟
في اليوم العالمي للتمريض، فإن تكريم الممرضين لا يكون بالكلمات وحدها، بل عبر خطوات عملية، أهمها:
تعزيز الاستثمار في التعليم التمريضي والتخصصات الدقيقة.
تحسين الرواتب وشروط العمل والحماية المهنية.
توفير الدعم النفسي للعاملين في القطاع الصحي.
إشراك الكوادر التمريضية في صنع القرار الصحي.
حماية المرافق والطواقم الطبية وفق القانون الدولي الإنساني.
وقف استنزاف الكفاءات ودعم بقائها في الوطن.
كلمة أخيرة
في هذا اليوم، تقف فلسطين أمام العالم لتقول إن الممرض الفلسطيني ليس مجرد موظف في مؤسسة صحية، بل إنسان يحمل رسالة الرحمة في زمن القسوة، ويصون الحياة في لحظات الانهيار، ويثبت أن الضمير المهني قادر على الانتصار حتى في أصعب الظروف.
إن تحية فلسطين في اليوم العالمي للتمريض هي تحية وفاء لكل يدٍ ضمدت جرحًا، ولكل قلبٍ حمل همّ المرضى، ولكل من اختار أن يكون في خدمة الإنسان، رغم قسوة الطريق.
فالتمريض في فلسطين ليس مهنة فقط… بل عنوان إنسانية وصمود وحياة.



