المؤتمر الثامن لحركة فتح في ذكرى النكبة: دلالات التوقيت وتحديات المشروع الوطني في ظل التحولات الخطيرة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مايو 9, 2026 - 09:13
المؤتمر الثامن لحركة فتح في ذكرى النكبة: دلالات التوقيت وتحديات المشروع الوطني في ظل التحولات الخطيرة

المؤتمر الثامن لحركة فتح في ذكرى النكبة: دلالات التوقيت وتحديات المشروع الوطني في ظل التحولات الخطيرة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يأتي انعقاد المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الذكرى الوطنية الأهم في الوعي الفلسطيني، وهي النكبة الفلسطينية، مع تصاعد غير مسبوق في المخاطر الوجودية التي تهدد القضية الفلسطينية برمتها، في ظل سياسات حكومة الائتلاف اليميني المتطرف في إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو، والتي باتت تضع على أجندتها العلنية تصفية ما تبقى من فرص لأي تسوية سياسية عادلة وشاملة.

أولاً: النكبة ليست ذكرى… بل مسار مستمر

إن ذكرى النكبة هذا العام لا تأتي في سياقها الرمزي التقليدي فحسب، بل في ظل واقع سياسي وميداني يعيد إنتاج النكبة بأشكال أكثر تعقيداً وعمقاً، من خلال التهجير، والاستيطان، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، واستهداف الوجود الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

وعليه، فإن النكبة لم تعد حدثاً تاريخياً محصوراً في عام 1948، بل تحولت إلى عملية ممتدة تتجدد أدواتها، ما يجعل استحضارها في أي سياق وطني، وخاصة في مؤتمر سياسي مركزي، استحضاراً لجوهر الصراع وليس لذكراه فقط.

ثانياً: التوقيت ودلالاته السياسية والاستراتيجية

إن تزامن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح مع ذكرى النكبة يحمل دلالات مركبة، يمكن قراءتها على عدة مستويات:

المستوى الرمزي: إعادة تأكيد مركزية القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب ما زال يعيش تداعيات النكبة بكل أبعادها.
المستوى السياسي: وضع الحركة أمام مسؤولية تاريخية لإعادة صياغة المشروع الوطني في مواجهة محاولات التصفية السياسية.
المستوى الاستراتيجي: التأكيد على أن أي مراجعة داخلية لا يمكن أن تنفصل عن طبيعة التحديات الخارجية التي تستهدف جوهر الوجود الفلسطيني.
ثالثاً: حكومة اليمين المتطرف وتفكيك حل الدولتين

إن السياسات التي تنتهجها حكومة نتنياهو الحالية، والتي تقوم على توسيع الاستيطان، وشرعنة الضم الزاحف، وفرض الوقائع على الأرض، تمثل تحولاً استراتيجياً خطيراً في مسار الصراع، حيث لم يعد الحديث يدور فقط حول تعطيل حل الدولتين، بل حول تقويضه بالكامل كخيار سياسي.

هذا التحول يضع القضية الفلسطينية أمام مرحلة جديدة، تتطلب إعادة تعريف أدوات المواجهة السياسية والدبلوماسية والقانونية، بعيداً عن إدارة الأزمة إلى مواجهة جذور المشروع الاستيطاني نفسه.

رابعاً: المؤتمر كاختبار للمشروع الوطني

إن انعقاد المؤتمر في هذه اللحظة التاريخية لا يمكن قراءته كحدث تنظيمي داخلي فحسب، بل كاختبار حقيقي لقدرة الحركة على إعادة تموضعها داخل المشروع الوطني الفلسطيني، باعتبارها إحدى ركائزه الأساسية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل يستطيع المؤتمر أن ينتقل من إدارة الواقع إلى صناعة رؤية استراتيجية جديدة تعيد الاعتبار لوحدة النظام السياسي الفلسطيني، وتواجه محاولات التفكيك الداخلي والخارجي؟

خامساً: بين التحدي الداخلي والخطر الخارجي

لا يمكن فصل التحديات الداخلية التي تواجه الحالة الفلسطينية عن الضغوط الخارجية المتصاعدة. فضعف البنية السياسية الفلسطينية، والانقسام، وتآكل الثقة الشعبية، كلها عوامل تتقاطع مع مشروع إسرائيلي يسعى إلى فرض واقع سياسي وأمني جديد، يقوم على إدارة الصراع لا حله.

ومن هنا، فإن أي إصلاح داخلي لا يواكبه وعي استراتيجي بطبيعة الخطر الخارجي سيبقى ناقصاً، وأي خطاب سياسي لا يستند إلى وحدة وطنية شاملة سيظل عاجزاً عن مواجهة التحولات الجذرية في موازين القوى.

خاتمة

إن المؤتمر الثامن لحركة فتح، المنعقد في ظل ذكرى النكبة، لا يملك ترف التعامل مع اللحظة بوصفها محطة تنظيمية عابرة، بل هو أمام لحظة مراجعة تاريخية شاملة، تتطلب إعادة تعريف الأولويات الوطنية، وإعادة بناء المشروع السياسي الفلسطيني على أسس أكثر صلابة ووضوحاً.

ففي ظل ما تسعى إليه حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل من تكريس واقع لا يسمح بقيام دولة فلسطينية، يصبح التحدي الأكبر أمام المؤتمر والمؤتمرين هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى صياغة استراتيجية وطنية شاملة، تعيد الاعتبار لفكرة التحرر الوطني، وتمنع تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني أو إداري بلا أفق سياسي.

إنها لحظة اختبار تاريخي، لا للحركة وحدها، بل للمشروع الوطني الفلسطيني برمته، في مواجهة أخطر مرحلة تمر بها القضية منذ النكبة وحتى اليوم.