صراحة ما بعدها صراحة
سعدات عمر
صراحة ما بعدها صراحة
سعدات عمر
احترف العرب قضية فلسطين وأدمنوها كذباً. فلم يظهر علينا عسكري بانقلاب إلاَّ كانت أهم فقرات بيانه الأول تحرير فلسطين، ولم تخل خطبة زعيم أو امام، ولا مقالة كانت، ولا قصيدة شاعر من الغوص في قضية فلسطين. كما لم تخل منها أناشيد المدارس، ولا أغاني المطربين. نعم لقد كان العرب وحُكَّامهم وإعلامهم يتنافسون على إعلان الكره، والشجب بإلقاء الخطب، وعقد المؤتمرات، وإطلاق الأناشيدش مُعَبِّرينَ دائماً عن الرؤية العربية للكيان الصهيوني على أنه عصابة من شُذَّاذ الآفاق، وكان يتواصل استمتاع الجماهير العربية بالإدعاء من قِبَلْ الحكام بأنهم يستعدون ويدعمون الحرب على الكيان الصهيوني من دون أن يخطر على بالهم الحرب وطبولها إلاَّ في الإعلام.
هكذا بدا العرب ومنذ أن أُعلن الكيان الصهيوني العام ١٩٤٨، وكأن فرحة غامرة حلَّتْ بأمزجتهم وتساوى في ذلك الحكام والمحكومين. فقد فَجَّرَ قيام الكيان الصهيوني قرائح العرب بالشعر، والأغاني، وأُنجِزت أكثر خُطب الزعماء العرب حرارة برغم تدني مستواها اللغوي. لقد استيقظت في الأمة العربية حُكاماً، وأحزاباً وطنية، وأحزاباً قومية الحماسة الكامنة على تلك الهزّة. لكنَّ شيئاً آخر في هذه الأمة لم يستيقظ معها. ألا وهو الضمير العربي، وعليه لم يجد من يُراجع تعامل الأمة العربية مع قضية فلسطين أيَّة مواقف جدّيّة للحرب أوللسلام،وسيعثر على سلسلة من المواقف الحماسية المُصطنعة في الإعلام والتي جرَّت بعض الأمة إلى هزائم عسكرية في حروب لم تقصد أبداً خوضها.
إن الأمة العربية عندما تتجرأ على مواجهة نفسها ستجد أصحاب السلطة وإعلامهم كما الجماعات والأفراد وجداولهم ضالِّة في قضية فلسطين. لقد وجد الشعراء فيها موضوعاً لتقديم القصائد كما وجد كُتَّاب القصص، والمقالات، ومؤلفوا الكتب في أحداثها معيناً غير قابلٍ للنضوب. أما الزعماء وخصوصاً الجنرالات منهم فقد عثروا فيها على كل منابع الإلهام، وفيما كان الزمن لا يتوقف، وفيما كانت خسارات الشعب الفلسطيني تتابع باطِّراد انتقلت بقيتهم لإنهاء القضية في حين كانوا حملة طبول الحرب لم يكونوا جادِّين في الإستعداد لها، وكان الإتهام بالخيانة نصيب كل من يُشكك في جدية نياتهم بانتظار أن يصبحوا قادرين على أن يستردوا بالقوة على ما أضاعوه بالقوة؟؟!! حقاً إن الهلع أصاب غالبية الجماهير العربية وأحزابها من يفكر منها ومن لا يفعل وفقاً لمُعطيات الظروف المحلية والدولية في وقف إعلان أول هدنة مع الكيان الصهيوني، وكان لذلك الهلع فضل تمهيد الطريق أمام الانقلابات على الزعماء العسكريين والحزبيين ظل هذا حال العرب مع القضية الفلسطينية في الصياح دون فعل لكسب القدرة إلاَّ انتفاعاً بالمأساة وتضليلاً للضحايا. فعلاً لقد كانت قضية فلسطين مرتعاً خصباً للإعلام. للكتابة. للتأليف. لقول الأشعار. فهي فضلاً عن أنها سهلة التناول فإنها في الوقت نفسه الموضوع الوحيد المسموح سياسياً بالخوض فيه بقدر ما تسمح عواهن الكلام لتصديق أوهام المجد بوحدة فلسطين، ومستقبل الأمة العربية المَيِّتْ بأوهام النصر المُيَسَّرْ المحترم، وما أنجزوه من إدامة توترها بصخب الخطب، وضجيج التظاهرات، والمسيرات، والمؤتمرات أدى بها إلى هذه الحالة من الإدمان لقضية لا تفهم خباياها، ولا تدرك تفاصيلها. بينما الكيان الصهيوني ومنذ احتلاله لفلسطين قد جعل الإعلام ساحة معركته الأساسية لأن الحروب لا تُكتسب في ساحات المعارك وحدها، وفي هذا الخِضَمّ جَنَّدت حكومات الكيان الصهيوني الغاصب المُتعاقبة كل الإمكانيات من أجل دعاية إعلامية كُبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي تخدم مشروعها الصهيوني، وتُغَطِّي على سياستها الإجرامية.



