أزمة الكهرباء في طولكرم… بين ضغط الأحمال وقيود الاحتلال ومعركة التحرر من التبعية الطاقية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
أزمة الكهرباء في طولكرم… بين ضغط الأحمال وقيود الاحتلال ومعركة التحرر من التبعية الطاقية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد أزمة الكهرباء في محافظة طولكرم مجرد أزمة فنية عابرة ترتبط بارتفاع درجات الحرارة أو الزيادة الطبيعية في استهلاك الطاقة خلال فصل الصيف، بل أصبحت جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والبنيوية، وتعكس واقع قطاع الطاقة الفلسطيني الذي ما زال يعاني من محدودية الخيارات واستمرار الارتهان لمصادر خارجة عن نطاق السيطرة الوطنية.
ففي كل موجة حر، تعود معاناة المواطنين إلى الواجهة مع ارتفاع الأحمال الكهربائية وتزايد الضغط على شبكات التوزيع، فتتكرر حالات انقطاع التيار وذبذبة الكهرباء، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حياة المواطنين والقطاعات الإنتاجية والخدمية، من المنازل والمحال التجارية إلى المؤسسات الصحية والتعليمية والمنشآت الصناعية.
ورغم أن ارتفاع الطلب على الكهرباء في فصل الصيف ظاهرة عالمية تواجهها العديد من الدول، فإن خصوصية الحالة الفلسطينية تكمن في أن القدرة على مواجهة هذه التحديات ما زالت مقيدة بعوامل تتجاوز الجانب الفني، وفي مقدمتها استمرار اعتماد قطاع الكهرباء الفلسطيني بدرجة كبيرة على التزويد من الجانب الإسرائيلي، وما يرافق ذلك من قيود على تطوير مصادر الطاقة وزيادة القدرات الإنتاجية وتحسين البنية التحتية.
ومن الإنصاف التأكيد أن طواقم بلدية طولكرم وشركة توزيع الكهرباء وسلطة الطاقة الفلسطينية تبذل جهوداً كبيرة في التعامل مع هذه الأزمة، وتعمل في ظروف صعبة لضمان استمرارية الخدمة ومعالجة الأعطال وإدارة الأحمال وفق الإمكانات المتاحة. فالمشكلة ليست في أداء العاملين الميدانيين، وإنما في واقع هيكلي يجعل أي توسع في الشبكة أو تطوير في مصادر الطاقة مرتبطاً بعوامل سياسية وإجرائية تحد من قدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين.
وتبرز قضية الخط الثالث المغذي لمدينة طولكرم باعتبارها نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية؛ فبعد استكمال الإجراءات الفنية اللازمة وإجراء الفحوصات المطلوبة، بقي تشغيل الخط مرتبطاً بإجراءات وموافقات الجانب الإسرائيلي، الأمر الذي يعكس استمرار تأثير الاحتلال على أحد أكثر القطاعات الحيوية ارتباطاً بحياة الناس ومستقبل الاقتصاد الفلسطيني.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى سيبقى قطاع الكهرباء الفلسطيني خاضعاً لمعادلة الاعتماد على الآخرين؟ وإلى متى ستظل المدن والبلدات الفلسطينية تنتظر الموافقات الإسرائيلية لتطوير حقها الطبيعي في بناء بنية تحتية مستقرة وقادرة على تلبية احتياجاتها؟
لقد أثبتت التجربة أن الاتفاقيات المنظمة لعلاقة التزويد الكهربائي، رغم أهميتها من الناحية الفنية، لم تحقق الأمن الطاقي الفلسطيني، لأن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بآليات شراء الكهرباء، وإنما بغياب السيطرة الكاملة على مصادر إنتاجها وتطويرها، وهو ما يجعل قطاع الطاقة عرضة للتأثيرات السياسية والضغوط الخارجية.
إن الكهرباء ليست مجرد خدمة أساسية، بل هي أحد أعمدة السيادة الاقتصادية والتنمية الوطنية. فاستقرار الطاقة يرتبط بشكل مباشر بقدرة الاقتصاد على النمو، وجذب الاستثمار، وتطوير الصناعة والزراعة، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز التحول الرقمي. وأي خلل في هذا القطاع ينعكس على مجمل مسار التنمية والحياة اليومية للمواطنين.
ومن هنا، فإن معالجة أزمة الكهرباء في طولكرم وفي مختلف المحافظات الفلسطينية تتطلب الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية وطنية للأمن الطاقي، تقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وإنشاء مشاريع توليد فلسطينية، وتطوير الربط الكهربائي مع الدول العربية الشقيقة، وفي مقدمتها الأردن.
وتشكل الطاقة الشمسية فرصة استراتيجية حقيقية يمكن البناء عليها، نظراً لما تتمتع به فلسطين من مقومات طبيعية مناسبة لهذا النوع من الطاقة. ويمكن استثمار أسطح المدارس والجامعات والمباني الحكومية والمنشآت الصناعية والتجارية لإنتاج الطاقة، بما يسهم في تخفيف الضغط عن الشبكات وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة أزمات التزويد.
إن محافظة طولكرم، بما تمتلكه من موقع اقتصادي مهم وحضور صناعي وزراعي، تحتاج إلى رؤية متكاملة لقطاع الطاقة تواكب احتياجاتها المستقبلية، ولا تكتفي بالحلول المؤقتة المرتبطة بفصول السنة أو معالجة الأعطال الطارئة. فالتنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون بنية تحتية مستقرة، والطاقة تمثل أساساً لأي مشروع اقتصادي أو اجتماعي.
إن ملف الكهرباء يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من مشروع التحرر الاقتصادي وتعزيز مقومات الصمود الوطني. فبناء القدرة الفلسطينية المستقلة في مجال الطاقة ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات التنمية وحماية القرار الوطني.
المواطن في طولكرم لا يطلب سوى حق طبيعي؛ خدمة كهربائية مستقرة وآمنة تحفظ كرامته وتلبي احتياجاته. وهذا الحق لا يتحقق فقط عبر حلول آنية، بل من خلال رؤية وطنية واضحة تضع قطاع الطاقة في مقدمة أولويات البناء المؤسسي الفلسطيني.
فالكهرباء ليست مجرد إنارة للمنازل، بل هي عنوان للاستقرار والتنمية والسيادة. وإن إنهاء هذه الأزمة يبدأ بتسريع تنفيذ المشاريع الجاهزة، وإزالة العوائق أمام تطوير الشبكات، والاستثمار الجاد في الطاقة البديلة، وصولاً إلى بناء قطاع طاقة فلسطيني أكثر استقلالاً وقدرة على خدمة الإنسان الفلسطيني وتعزيز صموده.
المحامي علي أبو حبلة



