شعلة لا تنطفئ: من مفترق الفاضلية إلى أفق المعنى… مجسم يكتب سيرة طولكرم
بقلم: د. منتصر الكم
شعلة لا تنطفئ: من مفترق الفاضلية إلى أفق المعنى… مجسم يكتب سيرة طولكرم
بقلم: د. منتصر الكم
في قلب طولكرم، وعلى مقربة من الجدار الفاصل وبين مؤسساتها التعليمية، من مدارسها إلى جامعة فلسطين التقنية “خضوري”، ينهض مجسم نادي الفاضلية كعلامة فارقة في المشهد الحضري، لا بوصفه عنصرًا تجميليًا فحسب، بل كخطاب بصري يعيد تعريف علاقة المدينة بذاتها. هنا، لا يعود الفضاء العام مجرد مساحة عبور، بل يتحول إلى نص مفتوح على القراءة والتأويل.
جاء هذا العمل بعد عام بمبادرة بلدية طولكرم وفكرة رئيس البلدية د. رياض عوض وبإشراف المهندس علاء إعطير، وبالشراكة مع نادي خريجي الفاضلية ممثلا برئيسه د. فتحي ابو عرجه، فيما صيغت رؤيته الفنية وتنفيذه بتوقيع الفنانين إياد زيدان وأحمد حمدان، من خلال خان الخواجا للأعمال الفنية، هذا التعدد في المرجعيات لم ينتج تشتتًا، بل أسّس لبنية رمزية متماسكة، تتقاطع فيها الذاكرة التعليمية مع الطموح الحضري.
يقوم المجسم على تكوين بصري مكثف: يد عملاقة ترتفع بثبات حاملة شعلة، وتحتها كتاب مفتوح يستقر عند القاعدة. غير أن هذا الترتيب لا يقدّم رموزه بشكل مباشر، بل ينسج بينها علاقة دلالية تتجاوز التوصيف السطحي. فاليد لا تشير إلى فرد، بل إلى إرادة جمعية تُمسك بالمعرفة وتنهض بها، فيما تتحول الشعلة إلى امتداد رمزي للنور والاستمرارية، والكتاب إلى أصل الفعل المعرفي ومصدره وبهذا التداخل، يتشكل خطاب بصري ثلاثي الأبعاد: الفعل في اليد، والمعرفة في الكتاب، والتنوير في الشعلة. وهي معادلة تختصر مسار التعليم بوصفه مشروعًا إنسانيًا يتجاوز التلقين نحو البناء والتغيير.
من الناحية التشكيلية، يعتمد العمل على تضخيم الكتل النحتية لإحداث أثر بصري واضح في المجال العام، حيث ترتفع البنية بما يقارب 5.70 متر فوق قاعدة رخامية صلبة، ما يمنحها حضورًا طاغيًا دون أن تفقد توازنها مع المحيط. وتلعب الخامات المعدنية والرخامية دورًا مهمًا في ترسيخ الإحساس بالدوام، بينما يضيف الطلاء البرونزي بعدًا جماليًا يستدعي مرجعيات النحت الكلاسيكي، ويمنح المجسم هالة من الوقار والاستمرارية، وفي المقابل، تتجاور نعومة التكوين العضوي في اليد مع صرامة القاعدة الهندسية، في حوار شكلي يوازن بين الحركة والثبات، وبين العاطفة والبنية. هذا التوتر المدروس هو ما يمنح العمل طاقته البصرية المستمرة، ويمنعه من التحول إلى شكل جامد أو تقريري.
أما على مستوى الموقع، فإن تموضع المجسم في دوار مروري يحوله إلى نقطة تنظيم بصري وحضري في آن. فهو لا يوجّه الحركة فقط، بل يعيد تشكيل إدراك المكان، محولًا تقاطع الطرق إلى نقطة دلالة وهوية. وهكذا يغدو الفضاء المحيط جزءًا من العمل ذاته، لا مجرد خلفية له، يتجاوز المجسم وظيفته الجمالية ليحمل بعدًا توثيقيًا، إذ يستدعي ذاكرة مدرسة الفاضلية ونادي خريجيها، ويعيد صياغة القيم التعليمية بوصفها حضورًا ماديًا في قلب المدينة. وهو بذلك ينتمي إلى تقليد النحت التذكاري، لكنه ينزاح عنه نحو تمثيل المجتمع بدل تمجيد السلطة، ويقترب من سردية المدينة لنفسها عبر رموزها.
كما يعكس العمل نموذجًا لشراكة فاعلة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، حيث يتحول الفعل الجمالي إلى مشروع تنموي يعيد تعريف مفهوم “تجميل المدينة” بوصفه إنتاجًا للمعنى لا تزيينًا سطحيًا للمشهد، في امتداده الرمزي، يتجه المجسم نحو الأفق الغربي، وكأنه يفتح نافذة على الغياب والانتظار، فيما يجاور في ذاكرته البصرية خط سكة حديد الحجاز وجامعة خضوري، في تراكب زمني يجمع بين الماضي والحاضر والطموح.
في النهاية، لا يمكن اختزال هذا العمل في كونه نصبًا حضريًا، بل هو صياغة مكثفة لفكرة المدينة حين تفكر بذاتها. إنه إعلان صامت بأن المعرفة يمكن أن تتحول إلى معلم، وأن القيم حين تُجسَّد في المادة تصبح ذاكرة راسخة في المكان. هكذا، لا تنطفئ الشعلة، لأنها لم تُشعل لتُضاء فقط… بل لتبقى علامة على أن المعنى يمكن أن يُبنى، وأن المدينة قادرة على أن تكتب سيرتها في الحجر والنور معًا.
الصورة بعدسة: بهاء جيتاوي



