خيبة إسرائيل المتكررة من تقلبات الموقف الأميركي تجاه إيران

التحالف الاستراتيجي بين الثوابت السياسية ومتغيرات المصالح

أغسطس 3, 2026 - 10:45
خيبة إسرائيل المتكررة من تقلبات الموقف الأميركي تجاه إيران

خيبة إسرائيل المتكررة من تقلبات الموقف الأميركي تجاه إيران
التحالف الاستراتيجي بين الثوابت السياسية ومتغيرات المصالح
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد التراجع الأميركي المتكرر عن توجيه ضربات عسكرية لإيران مجرد حدث عابر في سياق إدارة الأزمات الإقليمية، بل أصبح مؤشراً استراتيجياً يعكس طبيعة التحولات التي تشهدها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ويكشف في الوقت ذاته عن أزمة ثقة متنامية داخل إسرائيل تجاه آليات صنع القرار في واشنطن.

فالتقارير الصادرة عن وسائل الإعلام الإسرائيلية، وما رافقها من انتقادات لاذعة صدرت عن مسؤولين عسكريين وسياسيين، تؤكد أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعيش حالة من الارتباك نتيجة القرارات الأميركية المتغيرة، والتي انتقلت من التهديد بالتصعيد إلى التراجع عنه في اللحظات الأخيرة، الأمر الذي يضعف القدرة على بناء تقديرات عملياتية مستقرة ويؤثر في جاهزية الجيش الإسرائيلي وخططه المستقبلية.

إن ما يلفت الانتباه ليس مجرد إلغاء الضربة العسكرية، وإنما تكرار هذا السلوك خلال فترة زمنية قصيرة، بما يعكس أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتعامل مع الملف الإيراني بمنطق إدارة الضغوط السياسية والتفاوضية أكثر من تعاملها بمنطق الحسم العسكري، وهو ما يثير تساؤلات جدية داخل إسرائيل حول مدى إمكانية الاعتماد على الموقف الأميركي في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة.

وتؤكد هذه التطورات حقيقة طالما حكمت العلاقات الدولية، وهي أن التحالفات، مهما بلغت درجة متانتها، تبقى محكومة بالمصالح الوطنية للدول وليس بالالتزامات السياسية المطلقة. فالولايات المتحدة تنظر إلى أي مواجهة مع إيران من زاوية انعكاساتها على أمن قواتها المنتشرة في المنطقة، وعلى استقرار أسواق الطاقة العالمية، وعلى الاقتصاد الأميركي، فضلاً عن احتمالات اتساع رقعة الحرب لتشمل الخليج والبحر الأحمر والعراق وسوريا، بما يحمله ذلك من أثمان سياسية وعسكرية واقتصادية يصعب احتساب نتائجها.

في المقابل، تنطلق إسرائيل من عقيدة أمنية تقوم على مبدأ الضربة الاستباقية والحفاظ على التفوق العسكري النوعي، وترى في استمرار البرنامج النووي الإيراني وتنامي القدرات الصاروخية الإيرانية تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ومن هنا جاء الإحباط الإسرائيلي من التراجع الأميركي، باعتباره يمس أحد أهم عناصر الردع التي تعتمد عليها تل أبيب في إدارة صراعها مع إيران.

غير أن هذا المشهد يكشف أيضاً عن معضلة إسرائيلية أكثر عمقاً؛ فإسرائيل تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة، لكنها تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران لا يمكن إدارتها أو تحمل تداعياتها دون دعم أميركي سياسي وعسكري ولوجستي واسع. ومن ثم، فإن هامش الحركة الإسرائيلي يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بحدود القرار الأميركي.

أما إيران، فتواصل اعتماد استراتيجية تقوم على الصبر الاستراتيجي وإدارة الوقت، مستفيدة من التباينات داخل المعسكر الغربي، ومن حرص واشنطن على تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وقد أتاح لها هذا النهج الحفاظ على أوراق قوتها الإقليمية، مع مواصلة تطوير قدراتها الدفاعية والتفاوضية، بما يعزز موقعها في أي ترتيبات مستقبلية.

كما أن ردود الفعل الإسرائيلية الأخيرة تكشف أن القلق لم يعد مقتصراً على التهديد الإيراني، بل امتد إلى طبيعة العلاقة مع الحليف الأميركي ذاته. فالانتقادات التي طالت إدارة ترامب تعكس مخاوف متزايدة من أن تصبح إسرائيل أمام بيئة استراتيجية يصعب فيها التنبؤ بالقرار الأميركي، وهو ما يفرض عليها إعادة تقييم كثير من فرضياتها الأمنية والسياسية.

ولا تقتصر تداعيات هذا المشهد على العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، بل تمتد إلى مجمل معادلات الأمن الإقليمي. فالقوى الدولية، وفي مقدمتها روسيا والصين، تتابع بدقة طبيعة السلوك الأميركي، وتسعى إلى استثمار أي تردد في تعزيز حضورها السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط، بينما تعمل القوى الإقليمية على إعادة تموضعها وفق موازين القوى الجديدة التي بدأت تتشكل.

إن القراءة الاستراتيجية لما يجري تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تتجه نحو التخلي عن التزامها بأمن إسرائيل، لكنها في المقابل أصبحت أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع بدلاً من توسيعه، وأكثر حرصاً على توظيف أدوات الردع والعقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية قبل اللجوء إلى الخيار العسكري. وهذا التحول يعكس إدراكاً أميركياً بأن الحروب الشاملة لم تعد تحقق بالضرورة أهدافها السياسية، وأن كلفتها قد تتجاوز بكثير مكاسبها المحتملة.

وفي ضوء ذلك، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراعات لا حسمها، حيث يتراجع خيار المواجهة العسكرية المباشرة لصالح الردع المتبادل، والحروب غير التقليدية، والضغوط الاقتصادية، والعمليات الاستخباراتية، مع بقاء احتمالات التصعيد المحدود قائمة كلما اقتضت حسابات الأطراف ذلك.

إن خيبة الأمل الإسرائيلية المتكررة ليست مجرد رد فعل على قرار أميركي بإلغاء ضربة عسكرية، بل هي انعكاس لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي والدولي، حيث أصبحت المصالح الوطنية هي المحدد الأول للسياسات، حتى بين أقرب الحلفاء. ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية سيظل قوياً من حيث الأساس الاستراتيجي، لكنه سيكون أكثر عرضة للتباينات في إدارة الأزمات، وهو ما يفرض على جميع الأطراف إعادة قراءة معادلات القوة والردع في شرق أوسط يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.