أين غزة من الاتفاق الأميركي الإيراني؟

أبو شريف رباح

يونيو 10, 2026 - 08:38
أين غزة من الاتفاق الأميركي الإيراني؟

أين غزة من الاتفاق الأميركي الإيراني؟

أبو شريف رباح
9\6\2026

بينما تتجه أنظار العالم نحو المفاوضات الأميركية الإيرانية وما يمكن أن تنتجه من تفاهمات سياسية وأمنية واقتصادية يبرز سؤال فلسطيني مشروع، أين غزة من كل ما يجري؟ وهل ستكون حاضرة في حسابات الاتفاق المرتقب أم أنها ستبقى مجرد تفصيل صغير في لوحة المصالح الكبرى التي يعاد رسمها في المنطقة؟

على امتداد العقود الماضية كانت القضية الفلسطينية حاضرة في الخطابات وغائبة عن النتائج، فكلما شهد الشرق الأوسط تحولات كبرى أو تفاهمات إقليمية ودولية كان الفلسطينيون يسمعون الكثير من الوعود ويشاهدون القليل من الأفعال، واليوم ومع اقتراب واشنطن وطهران من صياغة تفاهمات جديدة يعود الفلسطينيون لطرح السؤال ذاته الذي رافق معظم الاتفاقات السابقة، هل ستكون فلسطين جزءا من الحل أم مجرد ورقة ضمن عملية إعادة ترتيب النفوذ في المنطقة؟

الحقيقة أن المفاوضات الأميركية الإيرانية تدور حول شبكة واسعة من المصالح المتشابكة، الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت مصالحها الاستراتيجية وتقليص بؤر التوتر التي تستنزف نفوذها، فيما تبحث إيران عن تثبيت موقعها الإقليمي وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة عليها، وبين هذين الهدفين الكبيرين تبدو غزة وكأنها تقف على هامش الطاولة رغم أنها كانت في قلب الأحداث التي أعادت تشكيل المشهد الإقليمي خلال السنوات الأخيرة.

أن تجاهل غزة لا يعني أنها خارج المعادلة فالقطاع ليس مجرد مساحة جغرافية صغيرة محاصرة بل هو عاملا مؤثرا في معادلات المنطقة بأسرها، وما جرى فيه منذ سنوات وما قدمه شعبه من تضحيات هائلة جعل من المستحيل فصل مستقبله عن أي ترتيبات سياسية أو أمنية يجري الحديث عنها في الشرق الأوسط.

لكن الخشية الفلسطينية لا تكمن في استبعاد غزة من المفاوضات فحسب بل في أن يتم التعامل معها باعتبارها ملفا أمنيا أو إنسانيا فقط، فالقوى الكبرى غالبا ما تنظر إلى غزة من زاوية التهدئة ومنع الانفجار بينما يتجاهل كثيرون جوهر القضية المتمثل بالاحتلال والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ يمكن لأي تفاهم إقليمي أن ينجح في تخفيف التوتر لبعض الوقت لكنه لن يصنع استقرارا دائما طالما بقيت القضية الفلسطينية دون حل.

وفي هذا السياق لا بد من التأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست ورقة تفاوض بيد الأطراف الإقليمية أو الدولية وليست ملفا يمكن إدراجه ضمن صفقات النفوذ وتقاسم المصالح، إنما قضية شعب ما زال يعاني منذ أكثر من مائة عام من الاحتلال والاقتلاع والتهجير والحرمان من حقوقه الوطنية المشروعة، كما أن للشعب الفلسطيني ممثلاً شرعيا ووحيدا هو منظمة التحرير الفلسطينية التي حازت اعترافا عربيا ودوليا بصفتها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، ومن ثم فإن أي مسار سياسي جاد يتناول مستقبل فلسطين يجب أن ينطلق من التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها صاحبة الولاية السياسية والشرعية على القضية الفلسطينية والمرجعية الوطنية المخولة التعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه ومصالحه الوطنية.

لقد أثبتت التجربة أن السلام الذي يبنى على إدارة الأزمة لا على حلها يبقى هشا وقابلا للانفجار في أي لحظة وغزة تمثل المثال الأوضح على ذلك فالحروب تتوقف ثم تعود والهدن تعقد ثم تنهار، فيما يبقى الشعب الفلسطيني يواجه الاحتلال والحصار والحرمان من أبسط حقوقه الوطنية والإنسانية، ومن زاوية أخرى فإن أي اتفاق أميركي إيراني قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاهمات الإقليمية لكن نجاح هذه المرحلة سيبقى مرتبطا بمدى قدرتها على معالجة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال لا مجرد أزمة إنسانية تحتاج إلى إدارة مؤقتة، فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر صفقات تتجاهل الشعب الفلسطيني أو تتعامل مع معاناته باعتبارها قضية إنسانية. 

إن غزة اليوم ليست مجرد مدينة مدمرة تبحث عن إعادة إعمار وليست مجرد ملف إغاثي ينتظر المساعدات، غزة أصبحت رمزا لصراع الإرادات في المنطقة وعنوانا لفشل المجتمع الدولي في فرض العدالة وشاهدا على أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع إلغاء حقوق الشعوب أو محو هويتها الوطنية، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس أين غزة من الاتفاق الأميركي الإيراني، بل أين الاتفاق من غزة؟ وهل يحمل في طياته ما يخفف معاناة الفلسطينيين ويفتح أفقا سياسيا حقيقيا لقضيتهم أم أنه سيكون اتفاقا جديدا يضاف إلى سلسلة طويلة من التفاهمات التي مرت فوق الجرح الفلسطيني دون أن تداويه؟

في النهاية قد تنجح واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق يحقق مصالحهما المتبادلة وقد تنجح القوى الإقليمية في إعادة توزيع أدوارها ونفوذها لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ مرارا هي أن فلسطين تبقى العقدة التي لا يمكن تجاوزها، وأن غزة رغم كل ما أصابها من قتل ودمار وألم لا تزال قادرة على فرض حضورها في معادلات المنطقة سواء أراد اللاعبون الكبار ذلك أم لم يريدوا.