أموال المقاصة والصحة الفلسطينية: عندما يتحول العقاب المالي إلى تهديد للحق في الحياة

يونيو 12, 2026 - 10:34
يونيو 12, 2026 - 10:36
أموال المقاصة والصحة الفلسطينية: عندما يتحول العقاب المالي إلى تهديد للحق في الحياة

أموال المقاصة والصحة الفلسطينية: عندما يتحول العقاب المالي إلى تهديد للحق في الحياة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

في خضم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كثيراً ما جرى التعامل مع أموال المقاصة باعتبارها أداة ضغط سياسية واقتصادية تستخدمها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في مواجهة السلطة الفلسطينية. إلا أن الرسالة التي وجهها البروفيسور تسيون حاغاي، رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فتحت الباب أمام نقاش مختلف يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة إلى قضية أكثر عمقاً وخطورة، وهي انعكاسات حجز أموال المقاصة على الحق في الصحة والحياة لملايين الفلسطينيين.

تكمن أهمية هذه الرسالة في أنها لم تصدر عن جهة فلسطينية أو منظمة دولية أو مؤسسة حقوقية تنتقد السياسات الإسرائيلية، بل جاءت من أعلى مرجعية مهنية طبية في إسرائيل نفسها، الأمر الذي يمنحها مصداقية خاصة ويحولها إلى شهادة إسرائيلية داخلية على حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها القطاع الصحي الفلسطيني نتيجة استمرار حجز الأموال الفلسطينية.

لقد أوضح رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية بصورة لا لبس فيها أن الأزمة المالية الناجمة عن عدم تحويل أموال المقاصة أدت إلى شلل متزايد في النظام الصحي الفلسطيني، حيث لم يعد آلاف الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي قادرين على الاستمرار في أداء مهامهم بسبب عدم تلقي رواتبهم لفترات طويلة، الأمر الذي انعكس مباشرة على قدرة المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية على تقديم الخدمات العلاجية الأساسية.

الأخطر من ذلك أن الرسالة كشفت عن تعطيل برامج التخصص الطبي للأطباء الشباب، وتأجيل العمليات الجراحية الاختيارية وشبه الطارئة، وإغلاق عدد من العيادات الصحية، واستنزاف مخزون الأدوية الأساسية، وهي مؤشرات لا تعبر عن أزمة مالية عابرة، بل عن تهديد بنيوي لقدرة النظام الصحي الفلسطيني على الاستمرار.

البعد القانوني: مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال

من الناحية القانونية، فإن القضية تتجاوز إطار العلاقة المالية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. فوفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، فإن القوة القائمة بالاحتلال تتحمل مسؤولية ضمان توفير الخدمات الصحية والإمدادات الطبية للسكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال.

وتنص المادة (55) من الاتفاقية على التزام القوة المحتلة بضمان توفير الأغذية والأدوية للسكان المدنيين، بينما تؤكد المادة (56) التزامها بضمان عمل المؤسسات الطبية والمستشفيات والحفاظ على الصحة العامة واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الأمراض والأوبئة.

كما أن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024 أعاد التأكيد على أن استمرار السيطرة الإسرائيلية الفعلية على الأراضي الفلسطينية يبقي إسرائيل خاضعة للالتزامات القانونية المترتبة على الاحتلال، بغض النظر عن وجود السلطة الفلسطينية أو الترتيبات الإدارية المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو.

وعليه، فإن أي سياسة تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تعطيل قدرة السكان الفلسطينيين على الحصول على العلاج والرعاية الصحية تثير إشكاليات قانونية جدية تتعلق بالالتزامات الدولية الواقعة على عاتق إسرائيل.

اتفاقية أوسلو وحدود نقل المسؤولية

كثيراً ما تستند الحكومات الإسرائيلية إلى أن اتفاقيات أوسلو نقلت مسؤولية إدارة القطاع الصحي إلى السلطة الفلسطينية. إلا أن الفقه القانوني الدولي والعديد من قرارات الأمم المتحدة أكدت أن نقل الصلاحيات الإدارية لا يعفي القوة المحتلة من مسؤولياتها الأساسية طالما أنها ما زالت تسيطر على الأرض والمعابر والحدود والمجال الجوي وحركة الأفراد والبضائع.

ومن هنا فإن السيطرة الإسرائيلية على الموارد المالية الفلسطينية، وفي مقدمتها أموال المقاصة، تجعل من الصعب الفصل بين القرار المالي الإسرائيلي وبين التداعيات الإنسانية المترتبة عليه داخل الأراضي الفلسطينية.

الصحة والأمن: العلاقة التي تدركها المؤسسة الطبية الإسرائيلية

ما يلفت الانتباه في رسالة رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية أنها لم تقتصر على الجانب الإنساني أو المهني، بل حذرت أيضاً من التداعيات الأمنية والإقليمية لانهيار النظام الصحي الفلسطيني.

ففي الأدبيات الاستراتيجية الحديثة لم يعد الأمن يُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل بقدرة المجتمعات على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها. وعندما تتعطل المستشفيات وتُغلق العيادات وتختفي الأدوية الأساسية، فإن ذلك لا ينتج أزمة صحية فقط، بل يخلق بيئة خصبة للتوتر الاجتماعي والسياسي وفقدان الثقة بالمؤسسات وازدياد احتمالات عدم الاستقرار.

وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن انهيار المنظومات الصحية غالباً ما يكون مقدمة لانهيارات أوسع تمس الاقتصاد والمجتمع والأمن معاً. لذلك فإن التحذير الصادر عن المؤسسة الطبية الإسرائيلية يعكس إدراكاً متزايداً بأن استقرار النظام الصحي الفلسطيني ليس مصلحة فلسطينية فقط، بل مصلحة إقليمية مشتركة.

أموال المقاصة بين السياسة والعقاب الجماعي

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمكن فصل حجز أموال المقاصة عن النتائج الإنسانية المترتبة عليه؟

إن الأموال المحتجزة ليست مساعدات إسرائيلية أو منحاً خارجية، بل هي أموال فلسطينية يتم تحصيلها بموجب الاتفاقات الاقتصادية القائمة. وعندما يؤدي حجز هذه الأموال إلى حرمان المرضى من العلاج، وتعطيل الخدمات الطبية، وتهديد حياة المواطنين، فإن المسألة تنتقل من دائرة الخلاف السياسي إلى دائرة الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي.

وفي هذا السياق، تزداد أهمية الأصوات الإسرائيلية التي بدأت تدق ناقوس الخطر، ليس انطلاقاً من اعتبارات سياسية، وإنما من إدراك مهني وإنساني بأن استمرار الأزمة المالية الفلسطينية بات يهدد أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في حياة المواطنين.

نحو مقاربة جديدة

إن استمرار حجز أموال المقاصة لم يعد مجرد إجراء مالي أو وسيلة ضغط سياسية، بل تحول إلى عامل مؤثر في قدرة الفلسطينيين على الحصول على العلاج والدواء والخدمات الصحية الأساسية. ولذلك فإن أي مقاربة واقعية للمستقبل يجب أن تنطلق من تحييد القطاعات الإنسانية، وفي مقدمتها الصحة، عن التجاذبات السياسية.

لقد جاءت رسالة رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية لتؤكد حقيقة يصعب تجاهلها: إن انهيار النظام الصحي الفلسطيني لن يكون أزمة فلسطينية فقط، بل أزمة إنسانية وإقليمية وقانونية تتجاوز حدود الصراع التقليدي. ومن هنا فإن حماية الحق في الصحة لم تعد مسألة سياسية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى احترام القانون الدولي والقيم الإنسانية التي يفترض أن تشكل أساس أي نظام دولي يسعى إلى العدالة والاستقرار والسلام. :::