الدهماء وخطر الفوضى على المجتمع الفلسطيني
بقلم المحامي علي أبو حبلة
الدهماء وخطر الفوضى على المجتمع الفلسطيني
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في المراحل المفصلية التي تمر بها الشعوب، تبرز الحاجة إلى الوعي الجمعي والانضباط الوطني بقدر ما تبرز الحاجة إلى الصمود والمواجهة. وفي الحالة الفلسطينية، حيث تتعاظم التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يصبح الحفاظ على الجبهة الداخلية أولوية لا تقل أهمية عن أي معركة سياسية أو وطنية. ومن هنا تبرز خطورة ما يُعرف بـ"الدهماء"، أي حالة الغوغائية والفوضى والانفعال غير المنضبط الذي يقود إلى الفتنة ويهدد السلم الأهلي.
المقصود بالدهماء ليس عامة الناس، فالشعب الفلسطيني أثبت في مختلف المحطات أنه شعب واعٍ ومتمسك بحقوقه الوطنية، وإنما المقصود تلك الحالات التي تُستثار فيها العصبيات، وتُقاد الجماهير عبر الشائعات والتحريض وردود الفعل العاطفية، بعيداً عن صوت العقل والقانون والمصلحة الوطنية العليا. وهذه الحالة، إن تُركت دون معالجة، تتحول إلى خطر استراتيجي يهدد المجتمع من الداخل.
أول هذه المخاطر يتمثل في زعزعة السلم الأهلي، إذ تبدأ كثير من الأزمات بخلاف محدود، ثم تتوسع بفعل التحريض والتجييش لتتحول إلى نزاعات عائلية أو مناطقية أو سياسية، يدفع المجتمع ثمنها من أمنه واستقراره. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تسمح للفوضى بالتغلغل في نسيجها، تصبح أكثر عرضة للتفكك والانقسام.
أما الخطر الثاني فهو استنزاف الطاقات الوطنية، إذ تنشغل المجتمعات المنقسمة بصراعاتها الداخلية، وتفقد قدرتها على توحيد جهودها في مواجهة الاحتلال ومخططاته. فكل ساعة تُهدر في نزاع داخلي هي وقت يُنتزع من معركة الصمود والبناء والتحرر.
ويبرز كذلك خطر تفكيك النسيج الاجتماعي، حيث تؤدي لغة التخوين والكراهية والتنمر إلى ضرب منظومة القيم الفلسطينية القائمة على التكافل والتراحم والانتماء الوطني المشترك. وحين تتراجع الثقة بين أبناء المجتمع، يضعف التماسك الوطني وتتعاظم هشاشة الداخل.
ومن الناحية القانونية، فإن الفوضى تقوض سيادة القانون وهيبة المؤسسات، وتفتح المجال أمام منطق القوة والسلاح والفلتان بديلاً عن العدالة والنظام. لذلك فإن إنفاذ القانون بعدالة وشفافية، ومحاسبة كل من يعبث بالأمن المجتمعي أو يثير النعرات، يشكلان ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن أي مجتمع يعاني الانقسام الداخلي يصبح أكثر قابلية للاختراق السياسي والأمني، وأكثر ضعفاً في مواجهة التحديات الخارجية. فالأمم لا تُهزم فقط بفعل أعدائها، بل قد تُهزم حين تعجز عن حماية وحدتها الداخلية.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً يقوم على تعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة الحوار، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمسجد والكنيسة، إلى جانب دور القوى الوطنية والمجتمعية في حماية السلم الأهلي. كما تتطلب خطاباً مسؤولاً يرفض التحريض ويعلي شأن الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار.
فلسطين اليوم بحاجة إلى العقلاء، وإلى أصحاب الرؤية والمسؤولية، لا إلى دعاة الفوضى والفتنة. وبقدر ما ننجح في حماية مجتمعنا من الدهماء والغوغائية، نكون قد حمينا مشروعنا الوطني ومستقبل أجيالنا القادمة. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً سياسياً فحسب، بل شرط أساسي للبقاء والانتصار.



