في الوطن: قيدٌ يصنع حضورًا وأفقًا. في خارج الوطن: حريةٌ بلا جغرافيا، بلا أثر، بلا أفق
محمد قاروط أبو رحمه
في الوطن: قيدٌ يصنع حضورًا وأفقًا. في خارج الوطن: حريةٌ بلا جغرافيا، بلا أثر، بلا أفق
محمد قاروط أبو رحمه
الرد على بعض من يطالب بعقد المؤتمر الثامن خارج الوطن
ليست المسألة تفضيلًا أخلاقيًا بين الداخل والخارج، ولا مفاضلة عاطفية بين من بقي ومن ابتعد، بل سؤال في طبيعة الفعل السياسي ذاته: أين يُصنع الأثر؟ وأين تتشكل الإمكانية؟
في التجربة الفلسطينية، كان انطلاق الثورة الفلسطينية في الخارج ضرورة تاريخية فرضتها النكبة وما تلاها، فحمل شعبنا قضيتنا إلى المنافي، وبنينا تمثيلنا السياسي، وعرفنا أنفسنا كحركة تحرر. لكن هذه المرحلة، على أهميتها، بقيت محكومة بحدّها البنيوي:
غياب الجغرافيا.
كان الصوت حاضرًا، لكن الأرض غائبة؛ وكان التمثيل قائمًا، لكن الفعل المباشر على مسرح الصراع محدودًا.
التحول الجوهري بدأ حين عاد الفعل السياسي إلى الداخل، لا بوصفه عودة مكتملة السيادة، بل كتموضع داخل الجغرافيا المتنازع عليها. هنا تغيّر معنى القيد ذاته. لم يعد القيد مجرد منع، بل أصبح إطارًا يُعاد داخله تعريف الفعل. فأن تعمل تحت الاحتلال ليس نفيًا للسياسة، بل انتقال بها إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث تُقاس الفاعلية بقدرة الصمود والحضور والاستمرار، لا فقط بحجم الإنجاز المباشر.
من هذه الزاوية، يصبح القيد في الداخل عنصرًا مُنتجًا للمعنى. هو يفرض الاحتكاك اليومي بالأرض، ويُبقي الفاعل السياسي داخل معادلة الصراع، ويمنع تحوّله إلى مجرد خطاب خارجي. داخل هذا القيد، تُخاض معركة الهوية، والتمثيل، والبقاء. كل مؤسسة تُبنى، كل فعل يُمارس، كل حضور يُثبت، هو جزء من اشتباك مستمر على من يملك تعريف المكان.
في المقابل، تبدو الحرية في الخارج، رغم اتساعها، حرية منزوعة الأثر الجغرافي. يستطيع الفاعل أن يقول ما يشاء، وأن يتحرك دون قيود مباشرة، لكن خارج الأرض يتحول الفعل إلى تأثير غير مباشر، يتوسطه الآخرون، وتحدّه اعتباراتهم. الحرية هنا لا تكفي لإنتاج واقع، لأنها لا تمسك بمفاتيح المكان.
وهنا يكمن الفرق:
في الداخل، حتى القيد يُنتج حضورًا،
وفي الخارج، قد لا تنتج الحرية أثرًا.
هذا لا يعني التقليل من دور الخارج، ولا إنكار أهمية الشتات في دعم القضية سياسيًا وإعلاميًا ودوليًا. لكنه تمييز بين مركز الفعل ومسانداته. فالقضية، في جوهرها، صراع على أرض، ومن لا يتموضع داخل هذه الأرض، يبقى تأثيره، مهما كان مهمًا، جزئيًا.
إن انعقاد مؤتمرات القوى السياسية الفلسطينية داخل فلسطين، بما فيها مؤتمرات حركة فتح الأخيرة، ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل تعبير عن هذا التحول. هو إعلان بأن مركز الثقل لم يعد في الخارج، وأن الفعل السياسي، رغم قيوده، اختار أن يكون حيث تُحسم المعركة. ليس لأن الظروف مثالية، بل لأنها حقيقية.
في الداخل، يُعاد تعريف الممكن يوميًا. قد يكون الممكن محدودًا، وقد يكون الإنجاز بطيئًا، لكن الأهم أن الفعل مرتبط بأرضه، وأنه لا ينفصل عن سياقه. أما في الخارج، فالممكن أوسع نظريًا، لكنه أقل التصاقًا بالواقع، وأضعف قدرة على تغييره.
لذلك، فإن المعادلة ليست بين حرية وقيد، بل بين نوعين من الفعل:
*فعلٌ يعيش داخل التناقض ويشتبك معه،*
*وفعلٌ يراقبه من مسافة.*
*وفي صراعات من هذا النوع، لا يُحسم المستقبل بمن يمتلك حرية أكبر، بل بمن يملك *قدرة أعلى على البقاء فاعلًا داخل الجغرافيا، مهما ضاقت الشروط.*
*هنا فقط، يصبح القيد أفقًا.*



