بين نفاد لغة الإدانة وضرورة استعادة الفعل الوطني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
بين نفاد لغة الإدانة وضرورة استعادة الفعل الوطني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الخطاب السياسي يحتمل المزيد من عبارات الشجب والاستنكار والإدانة، بعد أن استُهلكت حتى فقدت تأثيرها، وباتت تتكرر في مشهد أقرب إلى العجز منه إلى الفعل. في ظل ما يمر به الشعب الفلسطيني من تحديات متسارعة، لم تعد اللغة وحدها كافية، بل أصبحت الحاجة ملحّة للانتقال من دائرة التصريحات إلى دائرة المسؤولية والفعل المؤثر.
إن الواقع الفلسطيني الراهن يكشف عن أزمة مركبة، لا تقتصر على الضغوط الخارجية، بل تمتد إلى بنية النظام السياسي ذاته، في ظل غياب رؤية وطنية جامعة ومرجعية استراتيجية واضحة. ويزداد هذا الواقع تعقيدًا مع استمرار مظاهر التفرد في اتخاذ القرار، وفرض مواقف لا تستند إلى توافق وطني أو شرعية شعبية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على وحدة الصف ويعمّق حالة الانقسام.
وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد الانشغال بالخلافات الفصائلية الضيقة ترفًا يمكن احتماله، بل بات عبئًا يهدد مجمل المشروع الوطني. فالتحديات الراهنة تفرض الارتقاء بالمواقف إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى، بما يعزز من صمود المجتمع الفلسطيني وقدرته على مواجهة الاستحقاقات القادمة.
الشارع الفلسطيني، من جهته، بات أكثر وعيًا وإدراكًا لحجم التحديات، وهو اليوم في حالة ترقب لخطاب مختلف، يتجاوز الشعارات نحو خطوات عملية تعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته. فالمواطن لم يعد يكتفي بالوعود، بل ينتظر مواقف واضحة تستند إلى الثوابت الوطنية، وتترجم إلى سياسات واقعية تعزز الوحدة الوطنية وتعيد الاعتبار للشراكة السياسية.
إن أي محاولة لفرض مسارات سياسية دون سند شعبي، من شأنها أن تُضعف الجبهة الداخلية، وتكرّس الانقسام بدل معالجته. وعليه، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة الاعتبار لمبدأ الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، بوصفها أساس الشرعية، ومدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي على أسس من التعددية والشراكة.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى موقف وطني جامع، يعكس إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة، ويؤسس لنهج جديد قائم على التوافق والعمل المشترك. نهج يُعيد ترتيب الأولويات، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، بما يمكّن الفلسطينيين من مواجهة التحديات بصف موحد ورؤية واضحة.
إن ما يمر به الشعب الفلسطيني اليوم هو اختبار حقيقي للقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص، وعلى الانتقال من حالة الانقسام إلى حالة الفعل الوطني المشترك. فالتاريخ لا ينتظر، والرهان الحقيقي يكمن في استثمار اللحظة الراهنة لإطلاق مسار وطني جديد، يعيد الاعتبار للوحدة، ويعزز صمود الشعب الفلسطيني، ويفتح آفاقًا أكثر استقرارًا للمستقبل.



