أكذب حتى يصدقك الناس: الدعاية بين صناعة الوهم وتحديات الوعي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
أكذب حتى يصدقك الناس: الدعاية بين صناعة الوهم وتحديات الوعي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الكذب في العصر الحديث مجرد سلوك فردي معزول، بل تحوّل إلى أداة ممنهجة تُدار عبر منظومات إعلامية وسياسية معقّدة، تستهدف تشكيل الوعي العام وإعادة صياغة الحقائق بما يخدم مصالح بعينها. وقد ارتبط هذا النهج تاريخياً باسم جوزيف غوبلز، الذي يُنسب إليه القول الشهير: "اكذب، ثم اكذب، حتى يصدقك الناس"، في سياق ماكينة الدعاية التي خدمت نظام أدولف هتلر.
غير أن خطورة هذا النموذج لا تكمن في تاريخه فحسب، بل في استمرارية حضوره بأشكال أكثر تطوراً في عالم اليوم، حيث لم تعد الدعاية تعتمد فقط على التكرار، بل على استثمار العواطف، وتوجيه الإدراك، واستغلال الأزمات النفسية والاجتماعية للجماهير.
الكذب كأداة سياسية واستراتيجية
في سياق الصراعات الدولية، يُستخدم الكذب كجزء من أدوات القوة الناعمة، حيث يجري توظيفه لإعادة تعريف الواقع، وخلق سرديات بديلة تبرر السياسات وتشرعن الممارسات. وفي الحالة الفلسطينية، يتجلى ذلك بوضوح في الرواية الإسرائيلية التي سعت، عبر عقود، إلى طمس الحقائق التاريخية المتعلقة بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، مستندة إلى ماكينة إعلامية متطورة نجحت في التأثير على قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي.
هذا النمط من التضليل لا يقوم فقط على اختلاق الأكاذيب، بل على إعادة ترتيب الحقائق، وتجزئة المعلومات، وتقديمها في سياق يخدم رواية محددة، وهو ما يجعل مواجهته أكثر تعقيداً من مجرد كشف "الكذبة" بحد ذاتها.
بين الوهم والجاذبية الجماهيرية
ثمة فئة من الفاعلين السياسيين والإعلاميين تمتلك قدرة استثنائية على التأثير في الجماهير، ليس بالضرورة عبر الحقيقة، بل عبر ما يرغب الناس في تصديقه. فحين تتراكم الأزمات والإحباطات، يصبح "الوهم" سلعة رائجة، ويغدو الخطاب الشعبوي القائم على المبالغة والتبسيط وسيلة فعّالة لكسب التأييد.
وهنا تتقاطع هذه الظاهرة مع ما أشار إليه أبراهام لينكولن حين قال: "يمكنك خداع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكن لا يمكنك خداع كل الناس كل الوقت". فاستدامة الكذب مرهونة بقدرة أصحابه على تجديده وتغليفه، لكنها تصطدم في نهاية المطاف بحدود الواقع.
الإعلام بين المسؤولية والانزلاق
الإعلام، بوصفه أحد أهم أدوات تشكيل الوعي، يقف في قلب هذه المعادلة. فإما أن يكون أداة لكشف الحقيقة وتعزيز الشفافية، أو يتحول إلى منصة لترويج الوهم وإعادة إنتاج الخطاب المضلل. وفي العالم العربي، كما في غيره، تتباين النماذج بين إعلام مهني يسعى إلى التحقق والتدقيق، وآخر ينزلق نحو الإثارة أو التسييس المفرط، ما يضعف ثقة الجمهور ويزيد من قابلية انتشار الأخبار المضللة.
وفي الحالة الفلسطينية، تتضاعف المسؤولية، إذ لا يقتصر التحدي على مواجهة الرواية الإسرائيلية، بل يمتد إلى ضرورة تعزيز مصداقية الخطاب الداخلي، وتحصين المجتمع من الانجرار وراء الخطابات التي تبيع الأوهام أو تبالغ في تصوير الواقع.
البعد الأخلاقي والديني
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن بعدها الأخلاقي، حيث يشكل الصدق قيمة مركزية في مختلف الأديان والثقافات. وقد جاء في القرآن الكريم: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، وهو توجيه واضح يربط بين القول والفعل، ويؤسس لمعيار أخلاقي يحاسب على التناقض بينهما.
كما يؤكد النص القرآني على مآلات الصدق والكذب: "ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم"، في إشارة إلى أن الحقيقة، وإن تعرضت للتشويه، تبقى معياراً للحكم في النهاية.
نحو خطاب إعلامي أكثر مهنية ووعي
إن مواجهة ظاهرة الكذب الممنهج لا تتحقق فقط عبر فضحه، بل تتطلب بناء منظومة إعلامية ومجتمعية قائمة على:
تعزيز التفكير النقدي لدى الجمهور
دعم الصحافة المهنية القائمة على التحقق من المعلومات
تطوير خطاب إعلامي عقلاني بعيد عن الانفعال والمبالغة
توظيف الأدوات الرقمية الحديثة في كشف التضليل
وفي الختام، يمكن القول إن الكذب، مهما بلغ من الانتشار، يظل ظاهرة هشة أمام تراكم الحقيقة. فالتاريخ، كما التجربة الإنسانية، يثبتان أن الروايات المصطنعة لا تصمد طويلاً، وأن الوعي الجمعي، وإن تأخر، قادر على التمييز بين الحقيقة والوهم. ويبقى التحدي الحقيقي في قدرتنا على بناء خطاب صادق ومسؤول، يعيد الاعتبار للحقيقة كقيمة، ويحصّن المجتمعات من الوقوع في فخ التضليل.



