الدعاية الانتخابية وضرورة التقشف في الحملات الانتخابية في ظل الظروف الراهنة

بقلم المحامي علي أبو حبلة

أبريل 15, 2026 - 13:59
الدعاية الانتخابية وضرورة التقشف في الحملات الانتخابية في ظل الظروف الراهنة

الدعاية الانتخابية وضرورة التقشف في الحملات الانتخابية في ظل الظروف الراهنة
بقلم المحامي علي أبو حبلة

في ظل الظروف الفلسطينية الراهنة، وما يرافقها من أزمات اقتصادية خانقة وتحديات سياسية واجتماعية متراكمة، تبرز الدعاية الانتخابية بوصفها مرآة تعكس مستوى الوعي السياسي والأخلاقي لدى الفاعلين في المشهد العام، بقدر ما تعكس حجم التنافس على ثقة الناخبين.

ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الدخل، وتزايد الأعباء المعيشية، تبدو مظاهر البذخ في الحملات الانتخابية—من إنفاق مفرط على اللافتات والإعلانات والمهرجانات—أمراً يثير تساؤلات جوهرية حول أولويات العمل السياسي، وحدود المسؤولية الوطنية في إدارة المال العام أو المال السياسي على حد سواء.

إن الاستمرار في نمط الحملات الانتخابية التقليدية القائمة على الاستعراض والإنفاق العالي لم يعد يتناسب مع طبيعة المرحلة، بل قد يُضعف من ثقة المواطن بالعملية الانتخابية ذاتها، ويعزز الشعور بالفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي. فالمواطن اليوم لا يبحث عن شعارات مبهرة بقدر ما يبحث عن صدق في التوجه، وبرامج قابلة للتطبيق، وسلوك سياسي يعكس الإحساس الحقيقي بمعاناته اليومية.

من هنا، يصبح التقشف في الحملات الانتخابية خياراً وطنياً وأخلاقياً قبل أن يكون خياراً تنظيمياً أو مالياً. فالتقشف لا يعني ضعف الحملة أو تراجع تأثيرها، بل يعكس نضجاً سياسياً وإدراكاً عميقاً لأولويات المجتمع، ويؤسس لثقافة سياسية جديدة قوامها البساطة، والواقعية، والاقتراب من الناس بعيداً عن المظاهر الشكلية.

كما أن إعادة توجيه جزء من الموارد التي تُنفق عادة على الدعاية إلى مبادرات مجتمعية وتنموية—ولو رمزية—يمكن أن يشكل تحولاً نوعياً في مفهوم الحملة الانتخابية، بحيث تصبح أداة تواصل وخدمة عامة، لا مجرد وسيلة تسويق سياسي. فدعم المبادرات الشبابية، أو المساهمة في أنشطة مجتمعية محلية، أو تعزيز العمل التطوعي، جميعها تعكس التزاماً عملياً تجاه المجتمع يتجاوز حدود الخطاب الانتخابي التقليدي.

ومن زاوية أعمق، فإن ترشيد الإنفاق الانتخابي يسهم في تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين، ويحد من تأثير الفوارق المالية على نتائج التنافس السياسي. فالمنافسة العادلة ينبغي أن تقوم على البرامج والكفاءة والقدرة على تمثيل الناس، لا على حجم الموارد المالية أو القدرة على الإنفاق الدعائي.

وفي السياق الإعلامي والتواصلي، أثبتت التجارب الحديثة أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بحجم الإعلانات أو كثافة الظهور الدعائي، بل بمدى القدرة على الوصول المباشر إلى الناس، والتفاعل مع قضاياهم اليومية، واستخدام وسائل التواصل الحديثة بذكاء وفاعلية منخفضة الكلفة. فالكلمة الصادقة، والخطاب الواقعي، والمصداقية في الطرح، باتت أكثر تأثيراً من أي حملات دعائية مكلفة.

كما أن تبني نهج التقشف في الحملات الانتخابية يعكس بصورة غير مباشرة مستوى الالتزام المستقبلي في إدارة الشأن العام، إذ إن من يلتزم بالاعتدال والانضباط في إنفاقه السياسي، يكون أقرب إلى تبني سياسات رشيدة في إدارة الموارد العامة، وأكثر قدرة على تقديم نموذج في الحوكمة والمسؤولية.

إن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة تعريف مفهوم المنافسة الانتخابية، بحيث لا تُقاس بالإنفاق أو المظاهر، بل بمدى الالتزام بقضايا الناس، ووضوح البرامج، ونزاهة السلوك السياسي. فالمجتمع الفلسطيني اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب سياسي واقعي، يعكس معاناته، ويقدم حلولاً قابلة للتطبيق، بعيداً عن المبالغات والشعارات غير المدعومة بالفعل.

ختاماً، فإن الدعوة إلى التقشف في الحملات الانتخابية ليست مجرد توصية ظرفية، بل هي ضرورة وطنية تمليها طبيعة المرحلة، ومسؤولية أخلاقية تجاه مجتمع يرزح تحت أعباء ثقيلة. إنها دعوة إلى ترسيخ ثقافة سياسية جديدة، تقوم على البساطة والصدق والالتزام، وتعيد الاعتبار لفكرة أن السياسة في جوهرها خدمة عامة، لا مساحة للاستعراض أو التنافس غير المنضبط.

فليكن معيار النجاح الانتخابي هو القدرة على خدمة الناس، لا حجم الإنفاق، ولتكن الحملات الانتخابية بداية لمسار سياسي أكثر وعياً ونضجاً، يعيد الثقة بين المواطن وممثليه، ويؤسس لمرحلة أكثر توازناً وعدالة.