من التقييم بالكمّ إلى التقييم بالأثر: حركة فتح أنموذجًا

محمد قاروط أبو رحه

أبريل 14, 2026 - 20:21
من التقييم بالكمّ إلى التقييم بالأثر: حركة فتح أنموذجًا

من التقييم بالكمّ إلى التقييم بالأثر: حركة فتح أنموذجًا
محمد قاروط أبو رحه
أولًا: إشكالية التقييم في قراءة التجارب الوطنية
تُواجه عملية تقييم التجارب الوطنية الكبرى إشكالية منهجية متكررة، تتمثل في الميل إلى اختزال هذه التجارب في مؤشرات كمية ظاهرة: عدد الأعضاء، حجم الانتشار، الحضور الإعلامي، أو النتائج السياسية المباشرة. وعلى الرغم من أهمية هذه المؤشرات في أي عملية قياس، إلا أن الاعتماد الحصري عليها يُنتج قراءة جزئية، قد تكون مضللة، لأنها تغفل البعد الأعمق المتعلق بالأثر التراكمي في الوعي، والبنية، والقدرة على الاستمرار.
فالتجارب الوطنية، بخاصة تلك التي تنشأ في سياقات تحرر وصراع طويل، لا تُقاس فقط بما تُنجزه في لحظة زمنية محددة، بل بما تُراكمه من معنى، وما تُحدثه من تحولات طويلة الأمد في الإنسان والمؤسسة والمجتمع. من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق التقييم بالكمّ إلى منطق التقييم بالأثر بوصفه مقاربة أكثر عدالة وعمقًا.
ثانيًا: من الكمّ إلى الأثر – التحول المنهجي المطلوب
يعتمد التقييم بالكمّ على سؤال مباشر: كم نملك؟
بينما ينطلق التقييم بالأثر من سؤال مركزي مختلف: ماذا غيّرناه؟ وما الذي تركناه بعد كل هذه السنوات؟
التقييم بالأثر لا يُلغي الأرقام، لكنه يضعها في سياقها، ويعيد ترتيب الأولويات، بحيث يصبح الكمّ خادمًا للفهم لا بديلًا عنه. وهو تقييم ينظر إلى:
1-    أثر التجربة في تشكيل الوعي الجمعي
2-    قدرتها على بناء الإنسان قبل البنية
3-    مساهمتها في إنتاج المعنى والاستمرارية
4-    دورها في إدارة التحولات التاريخية دون فقدان الجوهر
هذه المقاربة تكتسب أهمية مضاعفة في السياق الفلسطيني، حيث تتداخل السياسة بالهوية، والتنظيم بالبقاء، والفعل اليومي بالمعنى الوجودي للصراع.
ثالثًا: حركة فتح كتجربة لا تُقاس بالعدد وحده
في هذا الإطار، تُقدَّم حركة فتح كنموذج تحليلي لتجربة وطنية يُخطئ من يقاربها بمنطق الكمّ وحده. ففتح ليست مجرد تنظيم سياسي أو إطار حركي، بل مسار تاريخي لعب دورًا تأسيسيًا في إعادة إنتاج الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة.
إن قراءة تجربة فتح قراءة عددية تختزلها في صعود أو تراجع، قوة أو ضعف، حضور أو غياب، دون الالتفات إلى دورها البنيوي في:
1-    إعادة تعريف الفلسطيني كفاعل في قضيته
2-    نقل القضية من حالة التشتت إلى الإطار الوطني الجامع
3-    إنتاج سردية وطنية معاصرة قادرة على الاستمرار
وهذه الأبعاد لا تُقاس بعدد المنتمين، بل بما أحدثته من تحوّل في الوعي والسلوك والمسار.
رابعًا: الأثر في إنتاج المعنى الوطني
يُعدّ إنتاج المعنى أحد أهم الأبعاد التي يمكن من خلالها تقييم الأثر الحقيقي لأي تجربة وطنية. فقد نشأت حركة فتح في لحظة تاريخية كان الفلسطيني فيها مهددًا بفقدان الإطار الجامع، والقدرة على تعريف ذاته خارج منطق اللجوء والانتظار.
في هذا السياق، أسهمت التجربة في إعادة بناء المعنى الوطني، ليس كشعار، بل كممارسة مستمرة، ترى في النضال مشروعًا طويل النفس، وفي الهوية مسؤولية لا مجرد انتماء. هذا المعنى هو الذي مكّن المشروع الوطني من الصمود رغم الانتكاسات، وهو أثر لا يظهر في الإحصاءات، لكنه حاضر بقوة في الوعي الجمعي.
خامسًا: إدارة التحول من الثورة إلى المؤسسة
من أبرز مظاهر الأثر في تجربة حركة فتح قدرتها—بما لها وما عليها—على إدارة أحد أكثر التحولات تعقيدًا في تاريخ حركات التحرر: الانتقال من الثورة إلى المؤسسة. وهو انتقال غالبًا ما أدى في تجارب أخرى إلى الانقسام أو التفكك أو فقدان المعنى.
إن تقييم هذا التحول لا يكون بعدد المؤسسات أو الهياكل التي أُنشئت، بل بمدى قدرتها على:
1-    الاستمرار في ظروف سياسية وأمنية معقدة
2-    حفظ الحد الأدنى من الوحدة الوطنية
3-    منع انهيار المشروع رغم الضغوط الداخلية والخارجية
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين التقييم الشكلي والتقييم القائم على الأثر البنيوي.
سادسًا: بناء الإنسان كمعيار للأثر العميق
لا تكتمل قراءة الأثر دون التوقف عند الإنسان بوصفه الحامل الحقيقي لأي تجربة وطنية. فقد أسهمت حركة فتح، عبر مسارها الطويل، في تشكيل أجيال تعلّمت مفاهيم الالتزام، والانضباط، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية الوطنية، سواء في العمل التنظيمي أو العسكري أو السياسي.
إن الأثر الحقيقي للتجارب الكبرى لا يظهر فقط في القرارات والبيانات، بل في نمط الإنسان الذي تُنتجه: طريقة تفكيره، فهمه لدوره، واستعداده لتحمل الكلفة. وهذا البعد الإنساني غالبًا ما يكون غائبًا عن مقاربات التقييم الكمي.
سابعًا: التقييم بالأثر كمدخل للنقد العادل
لا يعني اعتماد التقييم بالأثر تبرئة التجارب من الأخطاء أو تعطيل النقد، بل على العكس، يفتح المجال أمام نقد أكثر عمقًا وإنصافًا، يميز بين:
1-    الخطأ الظرفي والدور البنيوي
2-    الإخفاق المرحلي والأثر التراكمي
3-    الخلل الإداري والانهيار القيمي
فالنقد القائم على الكمّ وحده قد يُدين أو يُبرّئ دون فهم، بينما النقد القائم على الأثر يسعى إلى الفهم قبل الحكم، وإلى الاستخلاص قبل الإدانة.
خاتمة: نحو قراءة أكثر عمقًا للتجارب الوطنية
إن الانتقال من التقييم بالكمّ إلى التقييم بالأثر لم يعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة منهجية لفهم التجارب الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها تجربة حركة فتح. فهي تجربة لا تختزل في رقم، ولا تُختصر في لحظة، بل تُقرأ بما راكمته من وعي، وما حافظت عليه من معنى، وما تركته من أثر في مسار القضية الوطنية الفلسطينية.
وحده هذا النوع من التقييم يمكن أن يفتح أفقًا لفهم الماضي بعمق، واستشراف المستقبل بوعي، وتقديم قراءة مسؤولة لا تُقدّس التجربة ولا تُسطّحها، بل تضعها في سياقها التاريخي والإنساني الصحيح.
الخلاصة التنفيذية: كيف نستمر؟ 
إن الاستمرار في التجارب الوطنية الكبرى لا يتحقق عبر تضخيم الكمّ أو الاكتفاء بإدارة الواقع القائم، بل عبر إعادة بناء منطق التقييم والقيادة على أساس الأثر والمعنى والقدرة على التجدد. وتُظهر قراءة تجربة حركة فتح من منظور الأثر أن الاستمرار مرهون بجملة من التحولات العملية والفكرية المتكاملة.
أولًا، إعادة تعريف معايير النجاح
يجب الانتقال من قياس النجاح بالأعداد والمواقع إلى قياسه بمدى التأثير في الوعي الوطني، وجودة الإنسان المُنتَج، وقدرة المؤسسة على الصمود والتكيف. فالتجارب التي لا تُنتج معنىً متجددًا، تفقد قدرتها على الاستمرار مهما بلغ حجمها.
ثانيًا، الاستثمار في الإنسان قبل البنية
إن ضمان الاستمرارية يتطلب إعادة الاعتبار لبناء الإنسان المنضبط، الواعي، القادر على تحمل المسؤولية، بوصفه الأصل الاستراتيجي لأي مشروع وطني. فالمؤسسات تُصلَح وتُستبدل، أما الإنسان إذا انهار قيميًا فلا يعوضه أي هيكل تنظيمي.
ثالثًا، تحويل الإرث إلى معرفة مؤسسية
لا يكفي امتلاك تاريخ نضالي طويل؛ بل يجب تحويل هذا الإرث إلى معرفة موثقة، ومناهج تدريب، وقيم عملية تُنقل للأجيال الصاعدة. فالذاكرة غير المُنظمة تتحول مع الزمن إلى عبء، بينما المعرفة المؤسسية تصبح مصدر قوة وتجدد.
رابعًا، إدارة الاختلاف بوصفه طاقة لا تهديدًا
الاستمرار لا يعني التطابق أو الجمود، بل القدرة على استيعاب التعدد وإدارته ضمن إطار وطني جامع. فالتجارب القادرة على تحويل الخلاف إلى نقاش منتج، هي الأكثر قدرة على البقاء في بيئات سياسية متغيرة.
خامسًا، المراجعة الدورية دون جلد الذات
الاستمرار يتطلب شجاعة المراجعة دون الوقوع في فخ الإدانة الشاملة أو التبرير الدائم. فالمراجعة الواعية هي أداة تصحيح، لا إعلان فشل، وهي شرط أساسي للحفاظ على الشرعية الأخلاقية للتجربة.
سادسًا، الحفاظ على المعنى كشرط للبقاء
في النهاية، لا تستمر التجارب الوطنية لأنها الأقوى عدديًا، بل لأنها الأقدر على حفظ المعنى في وعي أبنائها. وحين يفقد المشروع معناه، يبدأ التآكل من الداخل، مهما بدا متماسكًا من الخارج.
الاستمرار، إذن، ليس مسألة زمن أو عدد، بل مسألة وعي، وأثر، وقدرة دائمة على تجديد المعنى دون التفريط بالجذور.