أهمية قطاع العمل الأهلي ودوره التاريخي في البناء الوطني وتعزيز الصمود والتنمية
بقلم: محمد شريف زيدان
أهمية قطاع العمل الأهلي ودوره التاريخي في البناء الوطني وتعزيز الصمود والتنمية
بقلم: محمد شريف زيدان
يُعدّ قطاع العمل الأهلي في فلسطين أحد الركائز الأساسية في مسيرة النضال الوطني والبناء المجتمعي، إذ انطلقت جذوره منذ بدايات القرن العشرين في القدس والداخل الفلسطيني، في سياقٍ ارتبط بالهوية الوطنية ومقاومة التحديات المتعاقبة. ورغم هذا الامتداد التاريخي العميق، لا يزال القطاع يفتقر إلى رؤية جامعة ومفهوم موحّد يُنظّم عمله ويُعزّز تكامله.
وقد شهدت الجمعيات الخيرية الفلسطينية نشاطًا متصاعدًا بعد نكبة عام 1948، حيث اضطلعت بدور اجتماعي وإغاثي مهم في ظل معاناة الشعب الفلسطيني. ومع احتلال عام 1967، واجهت هذه المؤسسات قيودًا وعراقيل فرضها الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنها استمرت في أداء دورها، بل وتحوّلت إلى إحدى أدوات الصمود الوطني. كما شكّلت، إلى جانب النقابات، حلقة وصل فاعلة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وساهمت في دعم العمل النضالي وتعزيز ثبات المجتمع عبر البرامج والمشاريع التنموية.
وتعاظم هذا الدور بعد عام 1982، وبلغ ذروته خلال الانتفاضة الأولى، حيث شكّلت الجمعيات غطاءً وطنيًا للعمل المجتمعي المقاوم، واحتضنت كوادر وكفاءات أسهمت في تطوير الأداء المؤسسي. وقد برزت آنذاك مظلات تنظيمية جامعة، اتحادات الجمعيات الخيرية في القدس وشمال وجنوب الضفة الغربية، والتي تأسست منذ أواخر الخمسينيات، وضمّت مئات المؤسسات. وفي عام 1990، توحّد عمل هذه الاتحادات ضمن إطار الاتحاد العام الفلسطيني للجمعيات الخيرية، بعد أن كانت مرتبطة بنظيرها في الأردن. كما تأسست لاحقًا شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عام 1993.
ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، شهد القطاع تحوّلًا نوعيًا، حيث انتقل من الطابع الإغاثي والخيري إلى العمل التنموي الشامل، ليشمل مجالات التعليم، والزراعة، والثقافة، وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة، وغيرها. وأصبح شريكًا أساسيًا في عملية البناء والتنمية. كما تم تنظيمه قانونيًا عبر صدور قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (1) لعام 2000، ولائحته التنفيذية عام 2003، بما عزّز من دوره في ترسيخ الحريات العامة وتكريس الحق في التنظيم والعمل الأهلي.
وتوسّعت مظلات العمل الأهلي لتشمل هيئات واتحادات متعددة منها ( الهيئة الوطنية للمؤسسات الاهلية- الاتحاد الوطني للمؤسسات الاهلية - اتحاد الصم - اتحاد وطن للمؤسسات الاهلية - اتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة سلفيت - شبكة المؤسسات الشبابية - اتحاد المراكز والجمعيات الثقافية - اتحاد جمعيات المزارعين الفلسطينيين - اتحاد المراكز الشبابية الاجتماعية في المخيمات - اتحاد المراكز النسوية في المخيمات - اتحاد مراكز التأهيل في المخيمات ) ، عكست تنوّع هذا القطاع وامتداده المجتمعي. ورغم المبادرات العديدة لتوحيد الرؤية وبناء إطار جامع من الفاعلين في هذا القطاع وبعض المظلات من منطلق الحوار داخل القطاع ، و خلق رؤية وطنية حيث تم تأسيس الاتحاد العام للمنظمات الاهلية الفلسطينية ينطوي في عضويته العديد من الشبكات والاتحادات ، إلا أن هذا القطاع لا يزال يعاني من تشتّت الجهود وضعف التنسيق المؤسسي، إلى جانب تحديات تتعلق بالإدارة والتمويل، وأحيانًا إساءة استخدام بعض المؤسسات لدورها، ما أثّر على صورته وثقة المجتمع به في بعض الاحيان .
ومع ذلك، يبقى قطاع العمل الأهلي لاعبًا محوريًا في تعزيز الصمود الوطني ، والدفاع عن الحقوق، وترسيخ الهوية، ودعم السلم الأهلي، فضلًا عن دوره في الدبلوماسية الشعبية والمناصرة الدولية. ومن أجل تعزيز هذا الدور واستدامته، تبرز الحاجة إلى:
أولًا: إطلاق حوار وطني جاد داخل مكونات القطاع، قائم على احترام التعددية وتعزيز التكامل، بهدف الوصول إلى رؤية واستراتيجية موحّدة، تعزّز الاستقلالية وتدعم الاعتماد على الموارد الذاتية والتطوع، وتحدّ من الارتهان للتمويل الخارجي المشروط.
ثانيًا: تفعيل الشراكة الحقيقية بين القطاعات الثلاثة (الرسمي، والخاص، والأهلي)، ضمن إطار وطني موحّد، يسهم في تطوير التشريعات، وتعزيز التنمية، وتحقيق التكامل في الخدمات والبرامج.
ثالثًا: تعزيز العمل المشترك مع القوى الشعبية والوطنية، من خلال تقاسم المسؤوليات وتكامل الموارد والخبرات، بما يدعم تحقيق الأهداف الوطنية الشاملة.
رابعًا: ربط الجهود بين الداخل والشتات، عبر تنسيق المبادرات وتبادل الخبرات، بما يعزّز المهنية ويوحّد الأولويات في مواجهة التحديات.
إن الوصول إلى حالة من التكامل المؤسسي، وإنهاء حالة التشتّت، بات ضرورة وطنية ملحّة، في ظل ما يمتلكه قطاع العمل الأهلي من طاقات كامنة ودور تاريخي فاعل في مسيرة التحرر والبناء.



