إسرائيل بين استنزاف الخارج وتصدّع الداخل

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أبريل 11, 2026 - 09:56
إسرائيل بين استنزاف الخارج وتصدّع الداخل

إسرائيل بين استنزاف الخارج وتصدّع الداخل
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد مقاربة “إدارة الصراع” التي شكّلت ركيزة العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ ما بعد اتفاقيات أوسلو صالحة في ظل التحولات العميقة التي فرضتها الحرب الأخيرة، سواء في غزة أو في سياق المواجهة الأوسع مع إيران ولبنان. فهذه الاستراتيجية التي قامت على احتواء الصراع دون حله، وعلى توظيف التفوق العسكري لفرض “هدوء طويل الأمد”، وصلت اليوم إلى حدودها القصوى، بل تحولت إلى مصدر تهديد بنيوي لإسرائيل نفسها.
لقد راهنت إسرائيل، خاصة بعد اتفاقيات أبراهام، على إمكانية تجاوز القضية الفلسطينية عبر بناء تحالفات إقليمية جديدة. غير أن الحرب أعادت هذه القضية إلى مركز المشهد، وأثبتت – كما يقر بذلك عدد من المحللين الإسرائيليين في مراكز بحثية مثل معهد دراسات الأمن القومي – أن تغييب الحقوق السياسية لا يلغي الصراع، بل يعيد إنتاجه في أشكال أكثر عنفاً وتعقيداً.
في البعد العسكري، كشفت المواجهة مع إيران وامتداداتها الإقليمية، خصوصاً في لبنان، عن تحول استراتيجي من “الردع والحسم” إلى “الاستنزاف متعدد الجبهات”. فإسرائيل التي سعت إلى توجيه ضربات قاصمة للقدرات الإيرانية، وجدت نفسها في مواجهة شبكة إقليمية مترابطة من التهديدات، حيث باتت الجبهة اللبنانية جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع مع طهران. وتُجمع تقديرات مراكز أبحاث إسرائيلية ودولية على أن هذه الحرب لم تُنهِ التهديد، بل أعادت تشكيله ضمن إطار أكثر تعقيداً واستدامة.
هذا التحول انعكس بوضوح في تقييمات صناع القرار والمعارضة في إسرائيل، حيث أقرّ سياسيون بارزون بأن نتائج الحرب لم تحقق الأهداف المعلنة، وأن ما تحقق هو “إنجاز تكتيكي محدود” مقابل كلفة استراتيجية مرتفعة. كما حذّر باحثون إسرائيليون من أن إسرائيل دخلت فعلياً في مرحلة “حرب دائمة منخفضة الحدة”، وهو توصيف يعكس تآكل القدرة على الحسم العسكري السريع، أحد أهم مرتكزات العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
على الصعيد الداخلي، تبدو التداعيات أكثر خطورة. فالحرب سرّعت من وتيرة التآكل البنيوي داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تتزايد مؤشرات الهجرة العكسية، خاصة في أوساط النخب العلمية والتكنولوجية، بالتوازي مع تعمق الانقسام بين التيارات العلمانية والدينية. ويشير عدد من الكتاب الإسرائيليين إلى أن أزمة الهوية – بين نموذج الدولة الديمقراطية الليبرالية والدولة الدينية القومية – باتت تهدد تماسك المجتمع، بل وتنعكس على أداء المؤسسة العسكرية نفسها.
كما أن التفاوت في تحمل أعباء الحرب والخدمة العسكرية، خاصة في ظل الجدل حول مشاركة التيارات الدينية، أدى إلى تصدعات في “العقد الاجتماعي”، ما دفع بعض القادة الأمنيين السابقين إلى التحذير من سيناريوهات “انقسام داخلي حاد” قد يرقى إلى مستوى تهديد استراتيجي.
أما على المستوى الدولي، فقد أدت الحرب إلى تآكل تدريجي في صورة إسرائيل وشرعيتها، مع تصاعد الضغوط من المحكمة الجنائية الدولية، وتحولات ملحوظة في الرأي العام الغربي. ورغم استمرار الدعم من الولايات المتحدة، إلا أن هذا الدعم لم يعد بمنأى عن الضغوط السياسية والحقوقية، ما يعكس تغيراً في البيئة الدولية الحاضنة لإسرائيل.
إقليمياً، لم تحقق الحرب هدفها في تقليص نفوذ إيران، بل ساهمت في إعادة توزيع أدواته وتعزيز نمط “حرب الوكلاء”، فيما أدت إلى إبطاء مسار التطبيع، وأعادت ترتيب أولويات المنطقة، لتعود القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام السياسي والشعبي.
خلاصة القول، إن إسرائيل انتقلت من مرحلة “إدارة الصراع” إلى مرحلة “إدارة الأزمات المركبة”، حيث تتقاطع التحديات العسكرية مع الأزمات الداخلية والضغوط الدولية. وفي ضوء ما يطرحه كتاب ومحللون إسرائيليون، فإن الخطر الأكبر لم يعد خارجياً فحسب، بل بات كامناً في الداخل، في ظل تصدعات تهدد بنية الدولة نفسها.
إن مفترق الطرق الذي تواجهه إسرائيل اليوم يفرض عليها خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة تعريف استراتيجيتها على أساس تسوية سياسية عادلة تعالج جذور الصراع، أو الاستمرار في مسار الاستنزاف الذي قد يقود إلى تآكل تدريجي في عناصر القوة.
وفي ميزان الاستراتيجيا، تبقى الحقيقة الأهم أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تؤسس لاستقرار دائم، وأن غياب الحل السياسي العادل سيبقي المنطقة بأسرها رهينة دورات متكررة من الصراع، تدفع إسرائيل ثمنها من أمنها واستقرارها ومستقبلها.