بين التصريحات والنفي: هل تفتح واشنطن وطهران نافذة تهدئة أم تعيدان تموضع الصراع؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
بين التصريحات والنفي: هل تفتح واشنطن وطهران نافذة تهدئة أم تعيدان تموضع الصراع؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تشهد المنطقة لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع اعتبارات الطاقة والاقتصاد، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما رافقه من تصريحات متباينة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والنفي الإيراني القاطع لوجود أي محادثات بين الطرفين.
ففي الوقت الذي أعلن فيه ترامب عن “محادثات مثمرة للغاية” مع طهران، وقرار بتأجيل استهداف البنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام، سارعت إيران إلى نفي ذلك بشكل رسمي، مؤكدة تمسكها بموقفها الرافض لأي مفاوضات قبل تحقيق ما تعتبره أهدافها في سياق المواجهة القائمة. هذا التباين لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تضارب إعلامي، بل يعكس في جوهره طبيعة الصراع المركّب الذي تعيشه المنطقة، حيث تتداخل الحرب النفسية مع الدبلوماسية غير المعلنة.
إن تصريحات ترامب، في هذا التوقيت، تبدو أقرب إلى محاولة لإدارة التصعيد وليس إنهاءه. فتأجيل الضربات لا يعني التراجع عن الخيار العسكري، بل يشير إلى رغبة في اختبار المسارات الدبلوماسية، وفتح نافذة محدودة للوساطات الإقليمية والدولية، دون التخلي عن أوراق الضغط. كما أن هذا الخطاب يحمل بعدًا اقتصاديًا واضحًا، إذ تسعى واشنطن إلى تهدئة أسواق الطاقة العالمية، خاصة في ظل التهديدات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يشكل شريانًا حيويًا لإمدادات النفط العالمية.
في المقابل، يعكس الموقف الإيراني تمسكًا بثوابت استراتيجية تقوم على رفض التفاوض تحت الضغط، والعمل على تعزيز معادلة الردع. فطهران تسعى إلى ترسيخ صورة أنها ليست في موقع الضعف، وأن أي حوار يجب أن يكون نتيجة لتغير موازين القوى، لا استجابة للضغوط العسكرية أو السياسية. كما تحاول نقل عبء التهدئة إلى الجانب الأمريكي، باعتباره الطرف الذي بدأ التصعيد من وجهة نظرها.
ورغم هذا التناقض الظاهري، تشير القراءة الواقعية إلى أن قنوات اتصال غير مباشرة قد تكون قائمة بالفعل، عبر وسطاء إقليميين أو دوليين، في إطار ما يمكن وصفه بـ”دبلوماسية الظل”، التي تهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، دون الإعلان عن مفاوضات رسمية قد تُفسَّر داخليًا على أنها تنازل.
أما بالنسبة لـ إسرائيل، فإن هذه التطورات تثير قلقًا استراتيجيًا متزايدًا. فأي توجه أمريكي نحو التهدئة، حتى وإن كان تكتيكيًا، قد يُفسَّر في تل أبيب على أنه تقليص لهامش الحركة العسكرية، أو إعادة ترتيب للأولويات الأمريكية على حساب الرؤية الإسرائيلية التي تميل إلى الحسم. كما أن تعاظم قدرة إيران على التأثير في أمن الطاقة العالمي، عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز، يمنحها ورقة ضغط إضافية قد تنعكس مباشرة على معادلات الردع في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز عدة سيناريوهات محتملة خلال المرحلة المقبلة. أولها، استمرار التهدئة المؤقتة عبر تمديد فترات تأجيل الضربات، وإفساح المجال أمام الوساطات، وهو سيناريو مرجح في حال رغبة الأطراف في تجنب الانفجار الشامل. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصعيد محدود ومدروس، يحافظ على توازن الردع دون الانزلاق إلى حرب واسعة. فيما يبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل تفضيلًا لكنه قائم، يتمثل في انهيار المسار الدبلوماسي، واندلاع مواجهة إقليمية مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى عموم المنطقة.
إن ما يجري اليوم لا يعكس انتقالًا حقيقيًا من الحرب إلى السلام، بل يشير إلى مرحلة “إدارة الصراع” بأدوات متعددة، حيث تسعى كل الأطراف إلى كسب الوقت، وتحسين شروطها التفاوضية، دون التورط في مواجهة شاملة غير مضمونة النتائج. وفي ظل هذا التوازن الحرج، تبقى المنطقة على حافة احتمالات مفتوحة، تتراوح بين التهدئة المؤقتة والانفجار المفاجئ، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تطورات قد تعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي برمّته.



