من "17 أيار" إلى اليوم: وهم الإذعان وحتمية السيادة
محمد قاروط أبو رحمه
من "17 أيار" إلى اليوم: وهم الإذعان وحتمية السيادة
محمد قاروط أبو رحمه
يبدو أن الذاكرة السياسية للمشروع الغربي الصهيوني تعاني من انتقائية مفرطة، فهو لا يدرك أن الجغرافيا اللبنانية، وإن بدت منهكة في لحظات تاريخية معينة، تمتلك قدرة فطرية على لفظ أي "اتفاقيات إذعان" لا تحفظ كرامة الأرض والإنسان.
دروس التاريخ: خلدة التي لم تكتمل
في عام 1983، وفي ظل اجتياح بيروت وحصارها، ولدت "اتفاقية 17 أيار" في خلدة كجزء من محاولة فرض واقع جيوسياسي جديد يربط لبنان بعجلة المشروع الصهيوني برعاية أمريكية مباشرة.
كان الهدف حينها تحويل لبنان إلى محمية أمنية، لكن هذه الاتفاقية لم تدم سوى عشرة أشهر. سقطت في آذار 1984 تحت أقدام الإرادة الشعبية والسياسية التي رفضت أن يوقع لبنان صك استسلامه وهو تحت فوهة البندقية.
المفاوضات : حوار "الأنداد" لا "التابعين"
من وجهة نظري، اليوم، وعند الحديث عن أي مفاوضات برعاية أمريكية، يجب أن يفهم المفاوض الغربي والإسرائيلي أن الزمن لم يعد زمن "اتفاقية خلدة". لبنان اليوم يفاوض من موقع "الند"، مستنداً إلى معادلات قوة ومنطق قانوني وتاريخي واضح. إن محاولة تصوير المفاوضات كأداة لفرض شروط أمنية إسرائيلية هي رهان خاسر وتكرار لخطأ 1983 التاريخي.
إن أي مسار تفاوضي يسعى للاستقرار الحقيقي يجب أن يرتكز على ثلاث ركائز مهمة ولا غنا عنها لنجاح المفاوضات:
١. الالتزام بالحدود الدولية:
إن سيادة لبنان تبدأ من حدوده المعترف بها دولياً، وأي محاولة للقضم أو فرض "مناطق عازلة" داخل الأراضي اللبنانية هي اعتداء سافر مرفوض سلفاً.
٢. وقف العدوان الدائم:
المطلوب من الجانب الإسرائيلي ليس "هدنة مؤقتة" بل التزام كامل بعدم الاعتداء براً وبحراً وجواً، واحترام حرمة السيادة اللبنانية.
٣. حق العودة والقرار 194:
لا يمكن القفز فوق جوهر الصراع. إن إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وفقاً للقرار الدولي 194 هي حجر الزاوية لأي استقرار إقليمي، ومحاولة "توطينهم" أو تغييب قضيتهم في كواليس المفاوضات اللبنانية هي لغم سينفجر في وجه صانعيه.
الخلاصة:
المشروع الغربي الصهيوني يكرر تجربة "17 أيار" بأدوات حديثة، لكنه يتجاهل حقيقة أن الشعوب التي أسقطت الاتفاقية وهي في أوج ضعفها، لن تقبل بما هو أقل من السيادة الكاملة وهي في ذروة وعيها وقوتها. المفاوضات الناجحة هي التي تعيد الحقوق لأصحابها، لا تلك التي تحاول شرعنة الاحتلال أو فرض الإذعان





