الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران: هل تُستخدم الورقة الكردية؟
الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران: هل تُستخدم الورقة الكردية؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في خضمّ التصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتكاثر التحليلات التي تتناول طبيعة الأدوات والخيارات التي قد تُستخدم في إدارة هذا الصراع المعقّد. ومن بين هذه الخيارات ما يُعرف في الأدبيات السياسية والاستراتيجية بـ"الورقة الكردية"، أي احتمال توظيف الحركات الكردية داخل إيران في سياق الضغط على النظام المركزي في طهران.
يشكّل الأكراد إحدى أبرز القوميات غير الفارسية في إيران، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عددهم يتراوح بين ثمانية واثني عشر مليون نسمة من أصل نحو ثلاثة وتسعين مليوناً من سكان البلاد. وينتشرون أساساً في مناطق الشمال الغربي، ولا سيما في محافظات كردستان وكرمنشاه وإيلام وغرب أذربيجان وعلى امتداد سلسلة جبال زاغروس. وقد شهدت هذه المناطق، على مدى عقود طويلة، مطالبات تتعلق بالحقوق الثقافية والسياسية، فضلاً عن توترات متكررة مع السلطة المركزية، سواء في عهد النظام الملكي السابق أو بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عقب الثورة الإيرانية.
مع اندلاع المواجهة بين إسرائيل وإيران، برزت في بعض الأوساط السياسية والإعلامية الغربية فرضية الاستفادة من الحركات الكردية الإيرانية في إضعاف النظام الإيراني، سواء عبر تحريك احتجاجات سياسية في المناطق الكردية أو من خلال دعم فصائل مسلحة قد تنخرط في عمليات محدودة ضد مؤسسات الدولة. غير أن المواقف الأمريكية بدت متحفظة ومتقلبة حيال هذا الطرح. فقد عكست تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قدراً من التردد، إذ أبدى في مرحلة أولى استعداداً لدراسة هذا الخيار، قبل أن يتراجع لاحقاً عن تشجيعه خشية أن يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع وتحويله إلى مواجهة إقليمية أكثر تعقيداً.
في المقابل، تواجه القوى السياسية الكردية داخل إيران جملة من المحاذير التي تجعل الانخراط في صراع إقليمي واسع أمراً محفوفاً بالمخاطر. فالتجربة التاريخية للأكراد مع القوى الدولية كثيراً ما اتسمت بالتقلب وعدم الاستقرار. ويكفي التذكير بما نصّت عليه معاهدة سيفر من إمكانية قيام كيان كردي مستقل، قبل أن تتراجع تلك الوعود لاحقاً مع إقرار معاهدة لوزان التي أعادت رسم حدود المنطقة دون تحقيق تلك التطلعات. كما أن تجارب حديثة في المنطقة عززت لدى العديد من القوى الكردية حالة من الحذر في التعاطي مع الوعود الدولية في سياق الصراعات الكبرى.
ولا يقتصر التعقيد على البعد التاريخي فحسب، بل يمتد إلى التركيبة الإثنية داخل إيران نفسها. فالمجتمع الإيراني يتسم بتنوع قومي وثقافي واسع؛ إذ يشكل الفرس غالبية نسبية، إلى جانب مجموعات قومية كبيرة مثل الآذريين، فضلاً عن أقليات أخرى كالعرب والبلوش والتركمان. كما أن المجتمع الكردي ذاته ليس كتلة متجانسة، إذ توجد فيه تباينات سياسية ومذهبية بين السنة والشيعة، فضلاً عن اختلافات في التوجهات بين الفصائل والتنظيمات المختلفة.
وتزداد حساسية هذا الملف إذا ما نظرنا إلى امتداد القضية الكردية إقليمياً، حيث يتوزع الأكراد جغرافياً بين عدة دول، أبرزها العراق وسوريا وتركيا. ومن ثم فإن أي محاولة لتوظيف العامل الكردي في الصراع مع إيران قد تثير مخاوف إقليمية من انعكاسات محتملة على استقرار هذه الدول، ما يجعل المسألة أبعد ما تكون عن مجرد أداة ضغط تكتيكية.
كما أن مثل هذا السيناريو قد يدفع المؤسسات الأمنية الإيرانية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة في المناطق الكردية، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد داخلي ينعكس سلباً على السكان المدنيين وعلى الاستقرار الاجتماعي في تلك المناطق.
وعليه، فإن الحديث عن "الورقة الكردية" في الصراع الدائر مع إيران يظل في إطار الاحتمالات النظرية أكثر منه خياراً عملياً واضح المعالم. فمثل هذا الخيار، إن جرى استخدامه، قد يفتح الباب أمام صراعات إثنية معقدة تتجاوز حدود إيران نفسها، وتؤدي إلى تداعيات إقليمية يصعب التحكم في مساراتها.
إن المسألة الكردية تبقى واحدة من القضايا الأكثر حساسية في توازنات الشرق الأوسط، وهي قضية تتداخل فيها الاعتبارات القومية والسياسية والإقليمية. ومن ثم فإن تحويلها إلى أداة في صراع عسكري بين الدول قد يحمل مخاطر استراتيجية واسعة النطاق، ليس على إيران وحدها، بل على استقرار المنطقة بأسرها.
وفي ضوء ذلك، تبدو المقاربة الأكثر واقعية هي التعامل مع هذه القضية ضمن إطار سياسي وقانوني يراعي حقوق المكونات القومية ويحفظ في الوقت ذاته استقرار الدول وسيادتها، بعيداً عن توظيفها في صراعات قد تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي المضطرب أصلاً.



