من خطاب باول إلى خطاب ترامب: هل يُعاد إنتاج مبررات الحرب في الشرق الأوسط؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
من خطاب باول إلى خطاب ترامب: هل يُعاد إنتاج مبررات الحرب في الشرق الأوسط؟
تحليل سياسي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
يثير الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن التصعيد مع إيران تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية حول طبيعة المبررات التي يجري تقديمها للرأي العام الدولي لتبرير الحرب على إيران. ويستحضر كثير من المراقبين مشهداً ما زال حاضراً في الذاكرة الدولية، عندما وقف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول أمام الأمم المتحدة في الخامس من شباط/فبراير 2003، عارضاً ما قيل آنذاك إنه أدلة على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل.
ذلك الخطاب شكّل أحد أهم المرتكزات السياسية والدبلوماسية التي استندت إليها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في تبرير الحرب على العراق عام 2003. غير أن ما تكشف لاحقاً أن تلك الادعاءات لم تثبت صحتها، وأن كثيراً من المعلومات التي بُنيت عليها كانت محل تشكيك واسع داخل المؤسسات الاستخبارية نفسها. وقد اعترف باول لاحقاً بأن ذلك الخطاب شكّل “نقطة سوداء” في مسيرته السياسية، في إشارة إلى حجم الجدل الذي رافق تلك المرحلة.
خطاب التهديد وإعادة إنتاج السردية الأمنية
اليوم، ومع تصاعد التوتر حول البرنامج النووي الإيراني، يلاحظ أن خطاب الرئيس ترامب يعتمد إلى حد كبير على إبراز ما يصفه بالتهديد الذي تمثله إيران على الأمن الإقليمي والدولي، ولا سيما فيما يتعلق باحتمالات امتلاكها قدرات نووية عسكرية. ويرى أن منع طهران من الوصول إلى تلك القدرات يمثل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار في المنطقة وضمان أمن الحلفاء، وفي مقدمتهم اسرائيل
غير أن هذا الخطاب يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الدولية، نظراً لحساسية التجربة التي شهدها العالم قبل أكثر من عقدين، عندما أدى تضخيم التهديدات المرتبطة بأسلحة الدمار الشامل في العراق إلى حرب واسعة غيّرت ملامح الشرق الأوسط وفتحت الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.
اختلاف السياقات الدولية
مع ذلك، فإن المقارنة بين المشهدين لا تعني بالضرورة أن التاريخ يعيد نفسه بصورة حرفية. فالبيئة الدولية اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه في مطلع الألفية. فقد أصبح النظام الدولي أكثر تعددية، كما أن المواجهة العسكرية مع إيران تنطوي على مخاطر إقليمية أكبر نظراً لتشابك الصراعات في الشرق الأوسط وتعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين.
كما أن الملف النووي الإيراني يخضع لرقابة دولية عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفي إطار الاتفاقيات والآليات الدولية ذات الصلة، الأمر الذي يجعل أي تحرك عسكري محتمل موضع نقاش سياسي وقانوني أكثر تعقيداً على الساحة الدولية.
مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية
ما يثير القلق في الخطاب السياسي المتصاعد حالياً هو أن تصاعد لغة التهديد قد يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع لا تقتصر تداعياتها على إيران وحدها، بل قد تمتد إلى عدد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط، بما في ذلك منطقة الخليج وبلاد الشام.والعالم
وفي حال حدوث مثل هذا السيناريو، فإن التداعيات الأمنية والاقتصادية والسياسية ستكون عميقة، ليس فقط على دول المنطقة، بل أيضاً على الاقتصاد العالمي واستقرار أسواق الطاقة.
القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية
في خضم هذه التحولات، تبقى القضية الفلسطينية مهددة بمزيد من التهميش في ظل انشغال القوى الكبرى بالصراعات الإقليمية الكبرى. غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن استمرار غياب حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية سيظل أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن أي مقاربة حقيقية لاستقرار المنطقة لا يمكن أن تتجاهل الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي.
وفي المحصلة ووفق كل ذلك فإن استحضار المقارنة بين خطاب الرئيس ترامب اليوم وخطاب كولن باول عام 2003 لا يهدف إلى استدعاء التاريخ فحسب، بل إلى التذكير بضرورة التعامل بحذر ومسؤولية مع مبررات الحروب في منطقة تعاني أصلاً من أزمات وصراعات متراكمة.
لقد أثبتت تجربة العراق أن القرارات العسكرية المبنية على تقديرات غير دقيقة قد تقود إلى تداعيات استراتيجية طويلة الأمد، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي اليوم تغليب المسار الدبلوماسي والحلول السياسية، والعمل على تجنب انزلاق الشرق الأوسط إلى جرب استنزاف طويلة الأمد كلفتها الإنسانية والسياسية أعلى بكثير مما شهدته المنطقة في العقود الماضية.



