: “العماليق” في الخطاب الديني الصهيوني ومخاطر توظيف النصوص التوراتية في الصراع المعاصر

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مارس 6, 2026 - 00:35
: “العماليق” في الخطاب الديني الصهيوني ومخاطر توظيف النصوص التوراتية في الصراع المعاصر

: “العماليق” في الخطاب الديني الصهيوني ومخاطر توظيف النصوص التوراتية في الصراع المعاصر
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب الأيديولوجي والديني داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، خاصة مع تنامي نفوذ التيارات اليمينية الدينية في مراكز القرار. هذا التحول لم يقتصر على السياسات العملية المرتبطة بالاستيطان أو إدارة الصراع، بل امتد إلى توظيف بعض الرموز والروايات التوراتية في الخطاب السياسي، ومن أبرزها استدعاء مفهوم “العماليق” بوصفه رمزًا دينيًا يُسقط على الواقع السياسي المعاصر.
إن خطورة هذا التوجه لا تكمن فقط في توظيف الدين في السياسة، بل في تحويل الصراع السياسي القابل للحل إلى صراع ديني مطلق، الأمر الذي يهدد بتعقيد المشهد الإقليمي ويدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
العماليق في الرواية التوراتية
يرد ذكر العماليق في عدد من أسفار العهد القديم، حيث تُقدَّم هذه الجماعة في النصوص التوراتية بوصفها إحدى القبائل القديمة التي دخلت في صراع مع بني إسرائيل في مرحلة تاريخية محددة. ففي سفر التثنية (الإصحاح 25: 17–19) يُذكر:
"اذكر ما فعله بك عماليق في الطريق عند خروجكم من مصر"، وهو نص يرد في سياق تاريخي يرتبط بصراعات قبائلية في العصور القديمة.
كما يرد في سفر صموئيل الأول (الإصحاح 15) نص يتحدث عن مواجهة الملك شاول مع العماليق، وهو نص ذو طابع ديني تاريخي يعكس طبيعة الصراعات في تلك المرحلة الزمنية.
غير أن العديد من الباحثين في الدراسات التوراتية والتاريخ القديم يؤكدون أن هذه النصوص تنتمي إلى سياق تاريخي خاص بالعصور القديمة، ولا يمكن إسقاطها على واقع سياسي معاصر يختلف جذريًا في بنيته القانونية والسياسية والإنسانية.
من النص الديني إلى الخطاب السياسي
رغم الطابع التاريخي للنصوص التوراتية، فإن بعض التيارات الدينية القومية داخل إسرائيل أعادت توظيف مفهوم “العماليق” في الخطاب السياسي المعاصر، باعتباره رمزًا للعدو الوجودي. وقد أثار هذا الاستخدام جدلًا واسعًا داخل الأوساط الفكرية الإسرائيلية، حيث يرى العديد من الباحثين أن تحويل الروايات الدينية إلى أدوات تعبئة سياسية يحمل مخاطر أخلاقية وسياسية كبيرة.
فالدولة الحديثة تقوم على القانون والمؤسسات، بينما يقوم هذا النوع من الخطاب على تصورات دينية رمزية قد تُستخدم لتبرير سياسات الإقصاء أو العنف.
تحذيرات من داخل الفكر اليهودي
اللافت أن التحذير من توظيف الدين في الصراع السياسي لم يأتِ فقط من خارج إسرائيل، بل صدر أيضًا عن مفكرين يهود بارزين. فقد أكد الفيلسوف اليهودي مارتن بوبر  Martin Buber أن استخدام الدين لتبرير الصراعات القومية يقود إلى تشويه القيم الروحية التي تقوم عليها الأديان، داعيًا إلى نموذج يقوم على الحوار والتعايش بين الشعوب.
كما حذر المفكر واللاهوتي اليهودي يسحاق لوبوتيز  Yeshayahu Leibowitz من أن تحويل الدين إلى أداة في الصراع السياسي قد يقود إلى ما وصفه بـ“فساد أخلاقي للدين نفسه”، مؤكدًا أن استخدام النصوص الدينية لتبرير السياسات القومية يمثل انحرافًا عن جوهر الإيمان.
أما المؤرخ الإسرائيلي  يوفال هراري  Yuval Noah Harari فقد أشار في أكثر من مناسبة إلى أن الأساطير الدينية حين تتحول إلى أدوات سياسية يمكن أن تصبح مصدرًا لصراعات طويلة الأمد يصعب احتواؤها.
الحرب في غزة وصعود اليمين الديني
لا يمكن فصل النقاش حول هذا الخطاب الديني عن التطورات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، خصوصًا الحرب المستمرة في غزه وما رافقها من تصاعد في الخطاب الأيديولوجي داخل بعض الأوساط السياسية في إسرائيل.
فمع صعود التيارات الدينية القومية داخل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، أصبح الخطاب الذي يمزج بين الدين والسياسة أكثر حضورًا في النقاش العام، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى العديد من المراقبين من أن يتحول الصراع السياسي إلى صراع ذي طابع ديني مفتوح.
وقد أظهرت تجارب التاريخ أن النزاعات التي تُؤطر دينيًا غالبًا ما تكون الأكثر تعقيدًا والأطول أمدًا، لأنها لا تقوم فقط على المصالح أو الحدود، بل على تصورات عقائدية يصعب التوصل إلى تسويات بشأنها.
إن استمرار توظيف الرموز الدينية في الصراع السياسي لا يهدد الفلسطينيين أو الإسرائيليين وحدهم، بل يحمل تداعيات أوسع على استقرار المنطقة بأكملها. فالشرق الأوسط يعيش أصلًا حالة من التحولات العميقة والتوترات المتعددة، وأي تصعيد في الخطاب العقائدي قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على أن حل النزاعات في العصر الحديث يجب أن يستند إلى القانون الدولي ومبادئ العدالة وحقوق الإنسان، لا إلى تأويلات دينية متشددة للنصوص التاريخية.

إن التحذير من مخاطر الفكر الديني المتزمت لا يستهدف اليهودية كدين سماوي عريق، ولا الشعب اليهودي الذي عانى عبر التاريخ من الاضطهاد، بل يستهدف توظيف الدين في الصراع السياسي.
فاليهودية، شأنها شأن الإسلام والمسيحية، قامت على قيم العدالة والرحمة واحترام الإنسان. وقد كان في تاريخها مفكرون كبار دعوا إلى التعايش والسلام ورفضوا تحويل الدين إلى أداة للصراع.
إن مصلحة الشعوب كافة، بما في ذلك الشعب الإسرائيلي نفسه، تكمن في منع الانزلاق نحو خطاب ديني متشدد قد يقود المنطقة إلى صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بعواقبه.

وخلاصة القول إن  الشرق الأوسط اليوم  يقف أمام لحظة تاريخية فارقة. فإما أن تستمر بعض التيارات في استدعاء روايات الماضي لتغذية صراعات الحاضر، وإما أن تتجه شعوب المنطقة نحو مستقبل يقوم على العقلانية السياسية واحترام القانون الدولي وحقوق الشعوب.
إن الأديان لم تُنزَّل لتكون وقودًا للحروب، بل لتكون مصدرًا للقيم الأخلاقية والإنسانية التي تعزز السلام بين البشر. والتاريخ يعلّمنا أن تحويل النصوص الدينية إلى أدوات للصراع لن يقود إلا إلى دوامة من العنف والدمار لا ينجو منها أحد.
إن الحكمة السياسية، والوعي الأخلاقي، والتمسك بقيم العدالة، هي وحدها القادرة على إنقاذ المنطقة من مخاطر الانزلاق نحو صراع ديني مفتوح، وبناء مستقبل يقوم على السلام العادل واحترام كرامة الإنسان.

المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة