خيار وفقوس… من ثقافة الانتقائية إلى مبدأ العدالة والمساواة كمرتكز استراتيجي لتعزيز الثقة الوطنية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
خيار وفقوس… من ثقافة الانتقائية إلى مبدأ العدالة والمساواة كمرتكز استراتيجي لتعزيز الثقة الوطنية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليست عبارة «ناس خيار وناس فقوس» مجرد توصيف شعبي عابر، بل هي مؤشر ثقافي على خللٍ عميق حين تتحول المعايير إلى انتقائية، ويشعر المواطن أن العدالة تُجزّأ بحسب القرب أو النفوذ أو الاعتبار الشخصي. وفي المجتمعات التي تواجه تحديات سياسية واقتصادية معقدة، يصبح ترسيخ مبدأ المساواة ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لصون الاستقرار وتعزيز الثقة العامة من خلال المساواة في التعامل.
العدل في التصور الإسلامي قاعدة تأسيسية للحكم الرشيد. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)،ويؤكد سبحانه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (النساء: 135).
وفي الحديث الشريف قال رسول الله ﷺ:
«إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» (متفق عليه).
هذه النصوص تؤسس لقاعدة جوهرية: العدالة لا تتجزأ، ولا تخضع لمعيار المكانة أو القوة، بل تقوم على المساواة في التطبيق بين الجميع والإنصاف والعدالة.
وعلى المستوى الدستوري، جاء القانون الأساسي الفلسطيني ليجسد هذا المعنى بصورة صريحة. فقد نصّت المادة (9) على أن:
«الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء، لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة».
كما أكدت المادة (10) أن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام، وأن السلطة الوطنية تعمل على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الدولية التي تحمي هذه الحقوق. وفي المادة (26)، كُفل حق المشاركة السياسية لجميع المواطنين، بما يعكس مبدأ تكافؤ الفرص في المجال العام. أما المادة (21) فقد أرست قاعدة أن النظام الاقتصادي يقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية الفئات الأضعف.
هذه النصوص ليست شعارات إنشائية، بل قواعد آمرة تُلزم الإدارة العامة بأن تتعامل بمعيار واحد، وأن تبني قراراتها على أسس موضوعية شفافة. فالمساواة أمام القانون تعني أن لا امتياز لفئة دون أخرى خارج إطار الاستحقاق المشروع، وأن لا يُحرم أحد من حقه بسبب اعتبارات غير قانونية.
إن الإشكالية لا تكمن دائمًا في النصوص، بل في ثقافة التطبيق. فقد تكون الإجراءات مستوفية من حيث الشكل، لكن العدالة تُمسّ حين يُساء استخدام السلطة التقديرية أو تُمارس الانتقائية في التنفيذ. ومن هنا، فإن التحدي الاستراتيجي يتمثل في الانتقال من «مشروعية الشكل» إلى «مشروعية الجوهر»، حيث تتكامل الشفافية مع المساءلة، ويتعزز الانسجام بين النص والممارسة.
إن بناء ثقافة وطنية جامعة يقتضي ترسيخ قناعة عامة بأن الكرامة الإنسانية غير قابلة للتجزئة، وأن الحقوق لا تُمنح على أساس الولاء أو القرب، بل تُصان بموجب القانون. العدالة الاجتماعية ليست مطلبًا فئويًا، بل هي ركيزة للاستقرار السياسي والأمن المجتمعي. وكلما تعزز الشعور بالمساواة، تراجعت النزعات الانقسامية، وتقوّت مناعة المجتمع في مواجهة الأزمات.
ولعل التجارب المقارنة تؤكد أن الثقة العامة تنمو حين يشعر المواطن أن القيادة تخضع للمعايير ذاتها التي تطبقها على الآخرين. فالسلطة في جوهرها تكليف لا تشريف، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون امتيازًا إداريًا.
إن الانتقال من ثقافة «الخيار والفقوس» إلى ثقافة «المعيار الواحد» ليس مسألة خطابية، بل مسار إصلاحي طويل يتطلب وضوح السياسات، وعدالة توزيع الموارد، وتكافؤ الفرص في التعيين والترقية والخدمات العامة، وتفعيل أدوات الرقابة المؤسسية دون انتقائية.والتعامل بمساواة دون انتقائية
فالعدل، في نهاية المطاف، ليس مجرد قيمة قانونية، بل هو ضمانة لبقاء الدولة متماسكة، وللمجتمع موحدًا، وللمستقبل أكثر اطمئنانًا. وحين يكون القانون هو المرجعية العليا، وتكون المساواة قاعدة ثابتة لا استثناءً ظرفيًا، تتحول العدالة من نص دستوري إلى ممارسة يومية، ومن شعار أخلاقي إلى استراتيجية وطنية جامعة.
فلنعمل جميعا لما فيه مصلحة الوطن وبما يحقق العدل والمساواة بين الجميع بلا استثناء وبهذا نصون وحدة المجتمع ونحافظ على صدقية الانتماء للوطن ولابناء الوطن



