النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي: بين الاستثمار الاستراتيجي وإعادة تشكيل توازنات الإقليم

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

فبراير 9, 2026 - 08:26
النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي: بين الاستثمار الاستراتيجي وإعادة تشكيل توازنات الإقليم

النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي: بين الاستثمار الاستراتيجي وإعادة تشكيل توازنات الإقليم
مقدمة
تحوّل القرن الأفريقي خلال العقد الأخير إلى إحدى أكثر الساحات تنافساً في النظام الإقليمي للشرق الأوسط، نظراً لموقعه الجغرافي الحاكم لممرات التجارة العالمية، وعلى رأسها البحر الأحمر وباب المندب. وفي هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة لاعباً مركزياً، ليس فقط عبر الاستثمارات الاقتصادية الضخمة، بل من خلال انخراط سياسي وأمني متزايد، يثير تساؤلات جدية حول تأثير هذا التمدد على استقرار الإقليم وتوازناته التقليدية، خصوصاً في ظل تشابكه مع أدوار قوى إقليمية ودولية أخرى.
أولاً: القوة الاقتصادية كمدخل للنفوذ السياسي
تشير البيانات إلى أن الإمارات أصبحت بحلول عام 2023 أكبر مستثمر أجنبي في القارة الأفريقية، باستثمارات تجاوزت 110 مليارات دولار خلال خمس سنوات فقط، منها 72 ملياراً في الطاقة المتجددة. هذا الحجم من الاستثمار لا يمكن فصله عن رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى:
تأمين سلاسل الإمداد العالمية.
السيطرة على عقد لوجستية حيوية.
بناء نفوذ سياسي غير مباشر عبر الاقتصاد.
ويقود هذا التوجه عملاقا الموانئ: موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي، اللتان تديران 13 ميناءً في ثماني دول أفريقية. إدارة الموانئ هنا ليست نشاطاً تجارياً محضاً، بل أداة نفوذ سيادي تؤثر في القرار الاقتصادي والأمني للدول المضيفة.
ثانياً: الأمن والمنافسة الإقليمية… من الاقتصاد إلى الجيوبوليتيك
تُظهر السياسة الإماراتية في القرن الأفريقي انتقالاً واضحاً من منطق "الشريك الاقتصادي" إلى منطق "الفاعل الأمني". فقد سعت أبوظبي إلى بناء تحالفات مع إثيوبيا ومع سلطات الأمر الواقع في صوماليلاند، في سياق منافسة إقليمية مفتوحة مع قوى مثل تركيا وقطر وإيران.
هذا التوجه يعكس رؤية إماراتية تعتبر أن:
السيطرة على الموانئ دون غطاء أمني غير كافية.
الفراغات الأمنية تمثل فرصاً لإعادة تشكيل موازين القوى.
غير أن هذا النهج يظل محفوفاً بالمخاطر، خاصة في بيئات هشة مثل السودان، حيث تُتهم الإمارات – رغم نفيها – بدعم أطراف مسلحة، ما يضعها في مرمى الانتقادات الدولية ويقوّض صورتها كفاعل تنموي.
ثالثاً: البعد الإسرائيلي… شراكة تتجاوز التطبيع
يُعدّ تعميق الشراكة الإماراتية–الإسرائيلية أحد أكثر العناصر إثارة للقلق الإقليمي. فالتعاون بين الطرفين لم يقتصر على الاقتصاد والتكنولوجيا، بل امتد إلى:
مناورات عسكرية مشتركة في البحر الأحمر.
أدوار سياسية حساسة، مثل الوساطة في تطبيع السودان مع إسرائيل.
تقاطع مصالح في القرن الأفريقي، تجلى أخيراً في الاعتراف الإسرائيلي بـ«جمهورية أرض الصومال».
من منظور الصومال، يُنظر إلى هذا الاعتراف بوصفه مساساً مباشراً بوحدة أراضيه، وتدخلاً خارجياً يعزز النزعات الانفصالية، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج بؤر صراع جديدة في منطقة تعاني أصلاً هشاشة بنيوية.
رابعاً: ارتدادات التمدد الإماراتي على العلاقات العربية
تشير تحليلات خبراء، من بينهم آنا جاكوبس، إلى أن استعداد أبوظبي لـ«المخاطرة من أجل رسم النظام الإقليمي» يساهم في توسيع فجوة الثقة مع السعودية. فالمملكة تنظر بقلق إلى:
تمدد نفوذ إماراتي–إسرائيلي على امتداد خاصرتها الغربية.
تزايد الأدوار الإماراتية المستقلة عن المظلة الخليجية التقليدية.
وتعكس التقارير عن مساعٍ سعودية لتأسيس تحالف عسكري مع مصر والصومال إدراكاً في الرياض بأن موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي تشهد تحولات قد لا تكون في صالحها على المدى المتوسط.
خامساً: إثيوبيا، مصر، ومعادلة نهر النيل
يتقاطع النفوذ الإماراتي أيضاً مع محور إثيوبيا–إسرائيل، ما يثير مخاوف استراتيجية عميقة لدى القاهرة. فالدعم الاستخباراتي والتقني والعسكري لإثيوبيا، بما في ذلك تزويدها بمسيّرات متطورة، يعزز قدرتها التفاوضية – وربما التصعيدية – في ملف سد النهضة ومياه النيل.
من هذا المنظور، لا يُنظر إلى القرن الأفريقي كساحة معزولة، بل كامتداد مباشر للأمن القومي المصري والعربي، ما يجعل أي إعادة تشكيل لموازين القوى فيه مسألة ذات تداعيات إقليمية واسعة.
خاتمة: نفوذ صاعد… واستقرار هش
لا يمكن اختزال الحضور الإماراتي في القرن الأفريقي في بعد واحد؛ فهو مزيج من استثمارات تنموية حقيقية وطموحات جيوسياسية واضحة. غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن هذا النفوذ يتنامى في بيئات هشة، ومن خلال تحالفات مثيرة للجدل، ما يجعله عاملاً محتملاً لزيادة الاستقطاب بدلاً من تعزيز الاستقرار.
إن مستقبل القرن الأفريقي سيتوقف إلى حد كبير على قدرة الفاعلين الإقليميين – وفي مقدمتهم الإمارات – على الموازنة بين المصالح الاستراتيجية واحترام سيادة الدول، وتغليب منطق الشراكات التوافقية على سياسات المحاور، وإلا فإن المنطقة قد تكون أمام مرحلة جديدة من الصراعات المركبة، يصعب احتواؤها لاحقاً.