الانقسام السياسي الأمريكي والحرب على غزة: حين يُعاد تشكيل الشرق الأوسط من داخل الكونغرس
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الانقسام السياسي الأمريكي والحرب على غزة: حين يُعاد تشكيل الشرق الأوسط من داخل الكونغرس
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة “صوت العروبة”
لم تعد الحرب الإسرائيلية على غزة، والتصعيد المتواصل في الضفة الغربية، مجرد ملف خارجي في أجندة السياسة الأمريكية، بل باتت مرآة تعكس عمق الانقسام داخل النظام السياسي في الولايات المتحدة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس. فالتطورات الجارية في واشنطن لا تنفصل عن مسار الحرب، بل تؤثر فيها مباشرة، سواء عبر طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل، أو من خلال هامش الضغط السياسي والدبلوماسي الممكن ممارسته عليها.
يدخل الحزب الجمهوري هذا الاستحقاق الانتخابي وهو يواجه احتمالات حقيقية لفقدان أغلبيته الهشة في مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ. وفي ظل هذا الواقع، تتحول السياسة الخارجية، وخصوصًا ملف الشرق الأوسط، إلى أداة توظيف داخلي، تُستخدم إما لحشد القاعدة الانتخابية، أو للهروب من أزمات داخلية متفاقمة.
يشكّل الرئيس دونالد ترامب، بما يمثله من ثقل داخل الحزب الجمهوري، عاملًا حاسمًا في هذا السياق. فخطابه السياسي القائم على الاستقطاب، ورفضه الاعتراف بالهزائم الانتخابية، ومحاولاته المتكررة للتشكيك في المؤسسات، ينعكس على مقاربة إدارته – أو تياره – للملف الفلسطيني الإسرائيلي. إذ يُنظر إلى الدعم غير المشروط لإسرائيل بوصفه ورقة تعبئة سياسية داخلية، لا مجرد خيار استراتيجي خارجي.
في حال خسر الجمهوريون السيطرة على الكونغرس، فإن ذلك سيُضعف قدرة أي إدارة جمهورية على الاستمرار في تقديم غطاء سياسي مطلق لإسرائيل دون مساءلة. فسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، أو حتى أحد المجلسين، تعني عودة لجان الرقابة والتحقيق، وفتح نقاشات علنية حول:
استخدام الأسلحة الأمريكية في غزة
مدى التزام إسرائيل بالقانون الدولي الإنساني
مسؤولية واشنطن القانونية والأخلاقية كشريك داعم
وهي ملفات حاولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجنبها أو احتواءها بعيدًا عن الضوء.
في المقابل، فإن شعور القيادة الأمريكية بتهديد داخلي، سواء عبر احتمال حجب الثقة، أو فتح مسارات عزل جديدة، قد يدفعها إلى مزيد من الانحياز لإسرائيل كوسيلة لتأمين دعم اللوبيات المؤثرة داخل الكونغرس، أو لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية. وهذا السيناريو يفسر جزئيًا تصاعد الخطاب المتشدد، والتردد الواضح في فرض أي قيود فعلية على السلوك الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية.
أما الضفة الغربية، فهي مرشحة لأن تكون الساحة الأكثر تأثرًا بهذا الارتباك الأمريكي. فضعف التركيز الدولي، وانشغال واشنطن بصراعاتها الداخلية، يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشًا أوسع لتوسيع الاستيطان، وتعميق سياسة الضم الزاحف، وتشديد الإجراءات الأمنية، دون خشية حقيقية من ردود فعل أمريكية حازمة.
في هذا الإطار، لا يمكن إغفال أن تصاعد الانقسام داخل الولايات المتحدة يُضعف قدرتها التقليدية على لعب دور “الوسيط”، ويجعلها أقرب إلى طرف منحاز، ما يفقد أي مسار سياسي محتمل مصداقيته لدى الفلسطينيين. كما أن غياب توافق أمريكي داخلي حول حدود الدعم لإسرائيل ينعكس ارتباكًا في المواقف الدولية، ويُربك الحلفاء الأوروبيين الذين باتوا أكثر جرأة في انتقاد الحرب على غزة.
الأخطر من ذلك أن أي مسار لحجب الثقة عن الرئيس، أو إدخاله في معركة سياسية داخلية طويلة، سيجعل القضية الفلسطينية ضحية ثانوية لصراع السلطة في واشنطن. ففي مثل هذه الظروف، تُؤجَّل الملفات الإنسانية، وتُدار الأزمات بمنطق الحد الأدنى، لا بمنطق الحلول.
في الخلاصة، فإن مستقبل الحرب في غزة، ومصير الضفة الغربية، باتا مرتبطين على نحو وثيق بما ستؤول إليه الانتخابات النصفية الأمريكية. فالكونغرس المقبل، بتوازناته الجديدة المحتملة، قد يكون عامل كبح للاندفاع الإسرائيلي، أو عامل تمكين إضافي له. وبين هذين الخيارين، يدفع الشعب الفلسطيني ثمن صراع لا يُدار فقط في الميدان، بل في أروقة السياسة الأمريكية، حيث تختلط الحسابات الانتخابية بمصائر الشعوب.



